الجزء الأول: ظلال المرض العاصفة ونصيحة العجوز
في زمنٍ غابرٍ بعيد، حيث كانت الأسرار تملأ الآفاق والبلدان يلفها الغموض، عاش شابٌ يُدعى "ثامر" في بيتٍ صغيرٍ متواضعٍ رابضٍ على أطراف المدينة. كان ثامر يجد في خدمة والدته المريضة كل غايته وسعادته، فلم يكن له في هذه الدنيا سواها، وكانت هي ملاذه وسكينته. وفي أحد الأيام، هجم المرض على جسد الأم العجوز بضراوة غير معهودة، فاشتدت عليها الآلام والأسقام حتى باتت بين الحياة والموت.
لم يقف ثامر مكتوف الأيدي؛ أسرع بجلب طبيب المدينة الحاذق لعله يجد لعلتها مخرجاً. لكن الطبيب، بعد أن عاين حالتها ملياً، هز رأسه يائساً وقال بنبرة يملؤها العجز: «يا بني، إن مرض أمك غريبٌ على علمي، ولم يصادفني مثله قط في حياتي. سأعطيك بعض الأعشاب التي تخفف عنها وطأة الألم، أما الشفاء فلا أعلم له سبيلاً».
سقطت الكلمات كالصخر على قلب ثامر، فتملكه حزنٌ شديد وخوفٌ عارم من فقدان أمه. وفي الصباح التالي، جاءت جارتهم الوفية "فاطمة" لزيارة الأم المريضة، ولما رأت ما حلّ بثامر من كرب، استمعت إلى ما قاله الطبيب ثم اقترحت عليه حلّاً: «هناك رجل عجوز يعيش في اعتزال، يمتلك خبرة هائلة بالأعشاب الطبية النادرة وأسرار الأمراض الغامضة، اذهب إليه لعله يرشدك».
لم يتوانَ ثامر؛ امتطى صهوة جواده وانطلق كالسهم مسرعاً حتى وصل إلى بيت الرجل العجوز، فوجده يجلس هادئاً تحت شجرة وارفة الظلال. نزل ثامر عن فرسه، وجلس بين يدي الشيخ وقص عليه حكاية أمه والدموع تترقرق في عينيه. تنهد العجوز وقال: «للأسف يا بني، الأعشاب التي عندي لا تقوى على هذا المرض الغريب. فالجن وحدهم، بأمر الله وبما أوتوا من علم يعجز عنه البشر، هم من يعرفون كنه هذه الأمراض وعلاجها».
بكى ثامر بحرقة وظن أن الأمل قد انقطع، فوضع العجوز يده على كتفه مواسياً وتابع: «لا تبكِ، هناك مكان واحد تجد فيه مأربك، إنها "أرض الجن"، لكن الطريق إليها بعيد ومحفوف بالمخاطر ويستغرق أكثر من شهر، ولن تقوى على دخوله وحدك. ولكن، هناك أميرة تسكن في قصرٍ منيف بالقرب من حدود أرضهم، يعشقها الجن ويتقربون منها وهي عالمة بأسرارهم، إن وصلت إليها فستساعدك».
وصف العجوز لثامر معالم الطريق بدقة، فعاد الشاب إلى بيته وعزم على الرحيل. حاولت الجارة فاطمة ثنيه خوفاً على حياته، لكنه أجابها بإصرار: «لا يوجد في الدنيا أصعب من رؤية أمي تتألم أمامي وأنا عاجز. سأذهب ولو كان الثمن حياتي. أستودعكِ أمي، وقولي لها إني سافرت طلباً للعمل كي لا تقلق».
الجزء الثاني: رحلة المخاطر وقصر الأميرة المسحورة
حزم ثامر أمتعته القليلة، ويمم وجهه شطر المجهول، مسافراً عبر الفيافي القاحلة، والصحاري الشاسعة، مخترقاً الجبال الوعرة والوديان السحيقة. كانت صورة والدته تتألم هي الوقود الذي يشعل في قلبه العزيمة كلما نال منه التعب. وبعد أيام طوال من السفر المضني، نفد ماء الشاب وطعامه، وكلّ جواده فلم يعد قادراً على الركض، فاضطر ثامر للمشي على قدميه ساحباً حصانه وراءه، بينما الليل يلقي بظلاله الموحشة على المكان.
وفجأة، وسط العتمة الدامسة، تراءت له من بعيد أنوارٌ تتلألأ. تحامل ثامر على نفسه وتحرك نحو الضوء، فإذا به أمام قلعة فائقة الجمال تشبه قلاع الأساطير. قاد حصانه أولاً إلى الإسطبل وقدم له الماء والعلف، ثم دخل القصر بحثاً عن مغيث. جاب الممرات الصامتة حتى وصل إلى قاعة كبرى تتوسطها طاولة حافلة بأشهى المأكولات والمشروبات. وتحت وطأة الجوع الكافر الذي ألمّ به، لم يتمكن من السيطرة على نفسه، فجلس وأكل حتى شبع وارتوى دون إذن من أحد.
بمجرد أن فرغ من طعامه، التفت ليرى مشهداً جمد الدماء في عروقه؛ كانت تقف أمامه امرأة عجوز قبيحة المنظر، مشوهة الملامح بشكل مرعب. تملكه الذعر، لكنها بادرت بطمأنته قائلة: «لا تخف يا بني، أنا أميرة هذا القصر. لقد سحرني نفر من الجن بعد أن رفضت الزواج من أميرهم، وهذه الخلقة القبيحة ليست خلقتي الحقيقية بل هي اللعنة. وأطلب منك أن تبيت معي في هذا القصر الليلة».
توجس ثامر خيفة ورفض في البداية قائلاً إنه لا يأمن لهذا المكان، فاصطحبته إلى غرفتها الفاخرة وأرته صورة معلقة لفتاة حسناء مذهلة الجمال، وقالت: «هذه صورتي قبل السحر، ولن ينفك هذا الكابوس عني إلا إذا بات عندي شاب شجاع ليلة كاملة». حينها أدرك ثامر أنها الأميرة التي حدثه عنها العجوز، فقص عليها حاجته لعلاج أمه، ووافق على المبيت ليفك سحرها مقابل مساعدتها.
وفي الصباح، استيقظ ثامر ليرى المعجزة؛ لقد زالت اللعنة وتحولت العجوز الشمطاء إلى تلك الحسناء التي في الصورة بل وأجمل. شكرت الأميرة ثامر على شجاعته، وقالت له: «سأفي بوعدي وأدلك على طريق أمير الجان، لكني لن أرافقك لأنه هو من سحرني، وسأرسل معك حارساً من رجالي ليرقبك من بعيد، وإن أصابك مكروه فلن أتخلى عنك».
الجزء الثالث: غضب أمير الجن ولعنة النوم النصف سنوية
انطلق ثامر برفقة حارس الأميرة في جوف الصحراء حتى بلغا جبلًا شاهقًا. أشار الحارس إلى ما وراء الجبل قائلاً: «سأنتظرك هنا وأراقبك، فهم يربضون خلف هذا المرتفع». تقدم ثامر وحيداً بخطوات متهيبّة حتى عبر الجبل، فبصر بثلاثة من الجن ذوي أشكال مخيفة يجلسون حول قدر ضخمة بها حساء يغلي بعنف دون وجود نار تحته، وكانوا يتضاحكون ويلعبون.
لم يكد ثامر يقترب حتى انتبهوا له، فقام أمير الجن واقترب منه، واشتم رائحته بغضب متطاير من عينيه وقال بصوت جهوري: «هل أنت البشري الذي تجرأ وبات عند الأميرة بالأمس وفك سحرها؟». حاول ثامر الإنكار من شدة الرعب، فضحك الجني بسخرية: «أتظن أنك تستطيع إخفاء شيء عنا؟ لقد سحرتها لسنوات ولم يجرؤ أحد على الدنو منها، فكيف تجرأت أنت؟».
التفت الأمير إلى أعوانه مستشيراً في قتله، فاقترح أحدهم قائلاً: «لا تقتله يا سيدي، بل ألقِ عليه لعنة تجعله يغط في نوم عميق لنصف عام، وهذه مدة كافية لنذهب ونقضي على الأميرة ومن معها دون إزعاج». استحسن الأمير الفكرة، واستدار نحو ثامر المرعوب، ورفع يده ونظر في عينيه بقوة سحرية قاهرة، فسقط ثامر على الأرض فاقداً للوعي ودخل في سبات عميق.
شهد الحارس من وراء الجبل السقوط المروع، فأسرع عائداً إلى القصر وأخبر الأميرة بما حل بالشاب. حزنت الأميرة حزناً بالرغماً واعتصرها الندم لأنها كانت سبباً في بلائه. وانتظرت حتى هبط الليل وغادر الجن مكانهم، فتوجهت مع جنودها وحملت ثامر النائم إلى قصرها، وحاولت بكل الوسائل إيقاظه دون جدوى.
وفي الصباح، تملك الأميرة الإصرار، فذهبت بنفسها إلى أمير الجن وتوسلت إليه أن يوقظ الشاب مؤكدة أنه لا ذنب له سوى طلب الدواء لأمه. استغل الجني المغرور الفرصة وقال بخبث: «سأوقظه بشرط واحد، وهو أن تقبلي الزواج مني وتكوني ملكتي». ولإنقاذ ثامر، وافقت الأميرة مكرهة شريطة أن يوقظه أولاً. ذهب الجني إلى القصر وأبطل تعويذة النوم، ولما استيقظ ثامر، جره الجني من يده إلى الخارج، ورفع ذراعيه مستحضراً ريحاً عاصفة هوجاء حملت ثامر وطارت به في لمح البصر ملقية به في أرض سحيقة لا يعرفها، كي يضمن الجني عدم عودته مجدداً لإفساد الزواج.
الجزء الرابع: بحر الدم والأشقاء الثلاثة والخديعة
وجد ثامر نفسه فجأة مستلقياً على شاطئ بحر غريب، لم يرَ مثله قط؛ إذ كان لون مائه أحمر قانٍ كالدم. مشى الشاب مذهولاً يبحث عن مخرج وسط هذا العالم العجيب، حتى لمح كوخاً صغيراً من بعيد. دلف إلى داخل الكوخ يملؤه الجوع والعطش، فوجد امرأة عجوزاً تجلس مطرقة. طلب منها طعاماً، فصفقت العجوز بيديها، وإذا بطاولة عامرة بألذ المأكولات تظهر من العدم.
أكل ثامر حتى شبع، وسألها بذهول: «هل أنتِ جنية؟»، فأجابت بابتسامة غامضة: «بل أعظم من ذلك، ولكن أخبرني ما قصتك؟». روى لها ثامر رحلته الطويلة من أجل أمه، ورق قلبه لبره وتضحيته، فقالت له تعاطفاً: «إن حبك لأمك وبرك بها جعلني أحترمك. خذ هذه الأعشاب؛ إنها نادرة جداً وتوجب الشفاء من كل مرض غريب بإذن الله».
شكرها ثامر وسألها كيف يعود، فأخبرته أن هذه الأرض بعيدة جداً والعودة سيراً تتطلب سنوات، لكنها أردفت بدهاء: «اخرج من هنا واسلك هذا الطريق، ستجد بيتاً يعيش فيه ثلاثة أولاد مات أبوهم قبل أيام، وكان كبير سحرة الجن. لقد ترك لهم ثلاث أدوات سحرية: بساطاً طائراً، وقبعة إخفاء، وحذاءً سحرياً. اذهب واستخدم ذكاءك لتحصل على البساط، فهو وحده من سيعيدك في لحظات».
توجه ثامر إلى البيت، فوجد الفتيان الثلاثة يتصارعون بعنف، وكل منهم ممسك بأداة ويريد سلب ما في يد أخيه طمعاً. تقدم منهم ثامر وعرض عليهم فض النزاع قائلاً: «عندي لكم حل عادل؛ هل ترون تلك الشجرة البعيدة لجوز الهند؟ سنتسابق، ومن يصل أولاً يأخذ البساط، ومن يصل ثانياً يختار بين القبعة والحذاء، والأخير يرضى بما تبقى».
وافق الفتيان على الحيلة ووقفوا مستعدين، وما إن انطلقوا يركضون بكل قوتهم نحو الشجرة، حتى استغل ثامر الفرصة، فوثب على البساط السحري، وجمع القبعة والحذاء بسرعة، وأمر البساط بالتحليق عالياً في السماء. طار البساط عابراً السحاب، ووجهه ثامر مباشرة إلى قصر الأميرة لينقذها من قبضة الجني قبل أن يتزوجها.
وصل ثامر إلى القصر ووجد حراساً غلاظاً من الجن، فارتدى قبعة الإخفاء وحمل الحذاء السحري ودخل دون أن يراه أحد. وجد الأميرة في غرفتها تبكي بحرقة، فخلع القبعة ففزعت ثم فرحت فرحاً شديداً. قال لها: «لا وقت للحديث، هيا نهرب». ألبسها الحذاء السحري فاختفت، وارتدى قبعته وخرجا يمران بين الحراس كالنسمة، ثم ركبا البساط وطارا بعيداً. أخبرته الأميرة وهي تلهث أن هذا اليوم كان الموعد الأخير قبل زفافها الإجباري، وأن الله أرسله في الوقت المناسب.
الجزء الخامس: شفاء الأم، الندم، واختطاف الأميرة ثانية
وصل البساط السحري بثامر والأميرة إلى بيته الصغير على أطراف المدينة. دخل ثامر على والدته المريضة، وقبل يديها معتذراً عن غيابه الطويل، ثم أعد لها الدواء وسقاها إياه فنامت نومة عميقة هادئة. وفي الصباح، استيقظت الأم وهي تقف على قدميها بنشاط، وقد تراجعت عنها الأسقام وعادت إليها نضرة الصحة تماماً. بكت الأم فرحاً واحتضنت ابنها، فقال لها ثامر: «يا أمي، اشكري هذه الأميرة، فهي من ساعدتني لأصل للدواء، وسأتزوجها لتعيش معنا هنا». فرحت الأم وعانقت الأميرة معتبرة إياها ابنتها، وبعد أيام أقيم حفل زواجهما وعاشوا في سعادة وغبطة.
ولكن، لم تدم السعادة طويلاً؛ ففي أحد الأيام، بينما كان ثامر يجلس مع زوجته الأميرة تحت الشجرة، سألته بنبرة لوم: «هل فكرت يوماً في الفتيان الثلاثة الذين خدعتهم وأخذت تركة أبيهم؟». تنهد ثامر بحزن وقال: «إن هذا الأمر يؤرق مضجعي ويمزق قلبي، لقد كنت مضطراً لكنني لست فخوراً بالخديعة». فقالت له الأميرة: «من يأخذ حق غيره، سيأتي يوم يدفع فيه الثمن. يجب أن تعيد الحقوق لأصحابها»، فوعدها بفعل ذلك قريباً.
وفي الوقت ذاته، كان الفتيان الثلاثة يصرخون ندماً على طمعهم الذي جعل الغريب يخدعهم، وقرروا تتبع أثر خطى ثامر في الرمال علّهم يجدونه، فوصلوا لكوخ العجوز وسألوها عنه، فأنكرت معرفتها بمكانه خوفاً من المشاكل، فعادوا يائسين. أما أمير الجن، فلما اكتشف اختفاء الأميرة واقتحام قصره، استشاط غضباً لا حد له، وأقسم على الانتقام وإعادة الأميرة قبل طلوع الصباح.
وفي تلك الليلة، بدأت النوافذ والأبواب في بيت ثامر تفتح وتغلق بعنف، واهتزت الجدران بأصوات مرعبة. استيقظت الأميرة مذعورة وقالت: «ثامر! هناك هالة سوداء تقترب، إنه أمير الجن!». استل ثامر سيفه شجاعاً رغم الخوف، ودوى صوت كالرعد خلف المنزل: «أيها البشري الضعيف! أتظن أن سرقتك للأميرة ستمس دون عقاب؟».
خرج ثامر ليرى الجني عملاقاً، تشع عيناه بنيران الغضب. صرخ ثامر: «ابتعد عنها!». لكن الجني ضحك بسخرية ورفع يده، فخرجت من الأرض ظلال سوداء كالسلاسل الحية،التفت حول جسد ثامر وقيدته بعنف شالّاً حركته. خرجت الأميرة صارخة تطلب العفو عن زوجها، فقبض الجني على معصمها بقسوة، ووسط دوامة من الدخان الأسود الكثيف، اختفيا معاً، تاركين ثامر ملقى على الأرض يعتصر عجزاً وقهراً.
الجزء السادس: التوبة والعودة لمواجهة الطاغية
في الصباح، انهار ثامر باكياً بين يدي والدته، وقص عليها كيف اختُطفت زوجته بسبب عجز ذراعه. وضعت الأم الحكيمة يدها على كتفه وقالت: «لا تبكِ يا بني، فكل شيء يمكن أن يسترد، ولكن أولاً، طهر نفسك وأعد الحقوق لأصحابها كي ينصرك الله. اذهب للفتيان الثلاثة ورد لهم تركتهم، ومن هناك ستفتح لك أبواب النجاة. تخلص من ذنبك واقترب من الله فهو عياذك من كل شر».
شعر ثامر بالندم الشديد، وحمل البساط والقبعة والحذاء، وركب البساط متجهاً فوراً إلى أرض الفتيان الثلاثة. ولما هبط عندهم، اعتذر لهم بصدق وقال: «لقد كنت مضطراً لأن أمي كانت تحتضر، وخشيت أن ترفضوا مساعدتي فخدعتكم، وها أنا ذا أعود نادماً لأرد لكم حقكم كاملاً». تعجب الفتيان من أمانته، وقال كبيرهم: «لقد بحثنا عنك غاضبين، لكنك لست سيئاً كما ظننا. اجلس واسترح، وسنساعدك».
أخبرهم ثامر بأنه بحاجة للذهاب لكوخ العجوز أولاً، فرافقه الفتيان تضامناً معه. ولما دخلوا على العجوز، قالت لثامر: «كنت أعلم أنك ستعود مطهراً من ذنبك. لكن القضاء على أمير الجن أمر عسير جداً». ثم صفقت العجوز، فظهرت قارورة سحرية شفافة، وتمتمت بكلمات جعلت القارورة تعرض مشهداً حياً للأميرة وهي مقيدة في غرفة مظلمة داخل القصر تحيط به هالة سوداء قاتلة. قالت العجوز: «هذه القارورة ستمكنكم من اختراق الهالة السوداء، فخذوها واحذروا».
عرض الفتيان الثلاثة مرافقة ثامر على البساط، فطارت المجموعة نحو قصر الجني. وفي تلك الأثناء، كان الجني يهدد الأميرة في محبسها قائلًا: «ستكونين ملكتي شئتِ أم أبيتِ، أو تظلين هنا حتى الموت»، فبصقت في وجهه معلنة رفضها.
وصل ثامر والفتيان بالقرب من القصر، فأصر ثامر على الدخول وحده كي لا يعرضهم للخطر. وأثناء تقدمه حاملاً القارورة في كيس قماشي، تعثر وسقط الكيس من يده، وفجأة ظهر أمير الجن أمامه بوجه يقطر شراً، وقال ضاحكاً: «كنت أنتظرك منذ الصباح، وأعلم أن الفتيان الثلاثة ينتظرونك بالخارج». طلب ثامر زوجته بالحسنى، فاستهزأ به الجني قائلًا: «أنت إنسي ضعيف، وسأرسلك مجدداً لأرض بعيدة لتموت هناك، أما الفتيان فسآخذ ألعابهم وأتركهم هلكى». وقبل أن يصل ثامر للقارورة، استدعى الجني ريحاً صرصراً عاتية قذفت بثامر إلى عنان السماء لتبعده، ثم توجه للفتيان وسلبهم البساط والقبعة والحذاء بالقوة، وتركهم مشاة في الصحراء، وعاد إلى قصره يتبجح أمام الأميرة الباكية بأن أدوات النجاة باتت ملكه.
الجزء السابع: نصر الله بالخاتم الأخضر والآيات الكريمات
وجد ثامر نفسه هذه المرة ملقى في صحراء شاسعة لا أول لها ولا آخر، خالية من كل أثر للحياة. جلس تحت شجرة يابسة، ونزفت روحه حزناً، فرفع يديه وعينيه المتعبتين إلى السماء، وفاضت دموعه وهو يناجي ربه بقلب منكسر: «يا رب، لقد انقطعت بي الأسباب وعجزت حيلتي، ولم يعد لي سواك. يا نصير المستضعفين والمظلومين، إن كنت قد أخطأت فاغفر لي وتجاوز عني، وإن كنت قد جئت أرض الجن فما جئت إلا براً بأمي. اللهم أنقذ زوجتي من هذا الجني المغرور، فلك الأمر من قبل ومن بعد وأنت على كل شيء قدير».
استمر ثامر يدعو ويبتهل حتى غلبه النوم من فرط الإعياء. وفي منامه، رأى رجلاً عجوزاً مهيباً، له لحية بيضاء كالثلج، يشع وجهه نوراً ووقاراً. اقترب الشيخ منه وابتسم قائلاً: «لا تخف يا ثامر، إنك شاب طيب بار بأمك، وبفضل هذا البر والندم وتوبتك إلى الله ستنجو. خذ هذا الخاتم وضعه في إصبعك، فإذا فركته نقلك إلى أي مكان تبتغيه. وإذا واجهت الجني الطاغية، ارفع الخاتم في وجهه وقل بثبات: "بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم"، ثم اقرأ آية الكرسي وما تحفظ من كتاب الله، واثبت ولا تخف، فإنك قاهره بأمر الله».
استيقظ ثامر فزعاً، ونظر حوله فلم يجد أحداً، لكنه شعر بشيء غريب في يده؛ ولما نظر، وجد خاتماً أخضر بديعاً يشع منه نور زمردي دافئ. علم أن دعاءه قد استجيب، ففرك الخاتم بقوة مستحضراً نية النصر، وفي لمح البصر، وجد نفسه واقفا بكبرياء وسط ساحة قصر أمير الجن.
لمح الجني ثامر، فتملكه رعب مفاجئ لم يعهده من قبل، وصاح بأعوانه وجنوده ليحيطوا به ويهجموا على ثامر. رفع ثامر يده عالياً، فسطع نور الخاتم الأخضر بقوة شهدتها أركان القصر، وهتف بثبات زلزل المكان: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم». وما إن نطق بها، حتى بدأ جنود الجن يتهاوون ويختفون واحداً تلو الآخر، هاربين من شدة النور والرهبة.
تقدم ثامر نحو أمير الجن بخطوات واثقة، وشرع يرتل آية الكرسي بصوت عذب خاشع وقوي: «اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ...». ومع كل كلمة يتلوها، كان الجني العملاق يرتعش ويهتز كشجرة تعصف بها الرياح، ويصرخ صرخات مدوية تصدع الجدران، ويحطم ما حوله من شدة الألم. تهاوت ملابس الجني وسقط على ركبتيه ذليلاً، وهو يصيح بصوت مخنوق: «أمسك لسانك! سأقتلك! صه!».
لكن ثامر استمر في تلاوته بثبات الجبال، بينما انطلقت من الخاتم أشعة خضراء كالنار الحارقة أحاطت بجسد الجني، فبدأ ينصهر ويخرج منه دخان أسود كثيف يملأ الفضاء، حتى تلاشى جسده تماماً وتحول إلى رماد تذره الرياح، ولم يبقَ له أي أثر.
أسرع ثامر إلى ممرات القصر يبحث عن زوجته، فإذا بالأميرة تخرج من غرفتها جارية بعد أن انحل قيدها تلقائياً بموت الطاغية، وارتمت في أحضانه تبكي فرحاً بنجاتهما. التفت ثامر وقال: «يجب أن نجد الفتيان الثلاثة فوراً». بحثا في خزائن الجني حتى عثرا على البساط والقبعة والحذاء، وركبا البساط وأمراه بالطيران للبحث عن الأشقاء.
وجدا الفتيان الثلاثة يمشون في الصحراء وقد شارفوا على الموت من شدة العطش والتعب. هبط ثامر ونادى عليهم يبشرهم: «لا تخافوا، لقد مات أمير الجن واللعنة زالت!». دبت الحياة في الفتيان، وركبوا جميعاً البساطة عاد بهم إلى بيتهم. ولما وصلوا، شكر الفتيان ثامر لأنه أنقذهم من موت محقق في الفلاة، وقالوا له بامتنان: «لقد أعدت لنا تركتنا وأنقذت أرواحنا؛ لذا فإن البساط السحري هدية منا لك، فأنت تستحق كل خير، ويكفينا القبعة والحذاء ولن نختلف عليهما بعد اليوم، فقد تعلمنا الدرس».
ودع ثامر الفتيان شاكراً، وركب البساط مع زوجته المحبوبة، وطارا في كبد السماء عائدين إلى ديارهم، والبهجة تملأ جوارحهما. استقبلتهما الأم البارة بفرحة لا تسعها الدنيا، وقص عليها ثامر كل ما جرى، مستطرداً: «بفضل دعواتكِ يا أمي، وبفضل الرجوع إلى الله ورد الحقوق، نجونا ومات الجني وعاد السلام». وعاشوا جميعاً في ذلك البيت الصغير بأطراف المدينة في سعادة، وأمان، ورخاء، تظللهم الرعاية الإلهية التي لا تضيع أحداً لجأ إليها.
