في زاوية منسية من مدينة "أريندور"، حيث تتشابك خيوط الضباب مع أرصفة الحجر القديمة، كان يقع متجر صغير لا تلمحه العين العابرة. لم يكن متجراً لبيع التحف أو الكتب، بل كان يحمل لافتة خشبية متآكلة كُتب عليها: "هنا.. نبيع الوقت الضائع".
كان صاحب المتجر، السيد "إلياس"، رجلاً يبدو وكأنه نُحت من خشب الأبنوس؛ تجاعيد وجهه تحكي قصصاً لم تُروَ بعد، وعيناه تمتلكان لمعة غريبة تشبه انعكاس النجوم في بئر عميقة.
الزائر الغريب
في ليلة شاتية، دخل شاب يدعى "كريم". كان يلهث، وعلامات الإرهاق تكسو ملامحه، وبدلاً من إلقاء التحية، صرخ: "أحتاج لمزيد من الوقت! يومي ينتهي قبل أن أنجز شيئاً، حياتي تتسرب من بين أصابعي كالملح".
ابتسم إلياس بهدوء، وأشار له بالجلوس على كرسي مخملي قديم. "الجميع يريد المزيد يا بني، لكن قلة من يعرفون ماذا يفعلون بما لديهم بالفعل."
سحب إلياس صندوقاً خشبياً مرصعاً بالصدف، وفتحه ببطء. لم يكن بداخله ذهب، بل كانت هناك زجاجات صغيرة تحتوي على أبخرة ملونة تتماوج ببطء.
ثمن اللحظة
قال إلياس: "هذه الزجاجة تحتوي على ساعة كاملة من السكينة، استخرجتها من أحلام طفل نائم. وهذه تحتوي على عشر دقائق من الإلهام الخالص. يمكنك شراء ما تشاء، لكن الثمن ليس مالاً".
تراجع كريم خطوة للخلف: "وما هو الثمن إذن؟"
أجاب العجوز بجدية: "الثمن هو ذكرى". مقابل كل ساعة تشتريها، يجب أن تمنحني ذكرى عزيزة عليك. سأنزعها من عقلك لتصبح ملكاً للمتجر، ولن تتذكرها أبداً.
تردد كريم، لكن هوسه بالنجاح واللحاق بسباق الحياة جعله يوافق. قايض أول "ضحكة حقيقية مع والده الراحل" مقابل خمس ساعات من التركيز الفائق لإنهاء مشروعه. ثم قايض "شعور أول نجاح له في المدرسة" مقابل ليلة إضافية من السهر للعمل.
الفراغ الكبير
مرت الشهور، وأصبح كريم أنجح رجل في المدينة. مكتبه يمتلئ بالجوائز، لكن قلبه كان يمتلئ بالفراغ. في ليلة ما، حاول تذكر وجه أمه وهي تودعه، فلم يجد سوى بياضٍ بارد. حاول تذكر سبب حبه لعمله، فلم يجد سوى آلات تدور.
عاد كريم إلى المتجر، لكن هذه المرة لم يكن يركض. كان يجر خطاه ببطء. وجد إلياس يمسح الغبار عن الزجاجات.
"أريد استعادة ذكرياتي"، قال كريم وصوته يرتجف. "خذ كل نجاحاتي، خذ مالي، خذ حتى ساعاتي القادمة.. فقط أعد لي من أكون".
نظر إليه إلياس بشفقة وقال: "الوقت الذي تشتريه يا كريم هو وقت مستعار، لكن الذكريات هي جوهر الروح. عندما تبيع ماضيك لتشتري مستقبلك، ستصل إلى هناك لتجد شخصاً غريباً يسكن جسدك".
النهاية: الدرس القاسي
لم يستعد كريم ذكرياته بالكامل، لكن إلياس منحه "زجاجة أخيرة" مجاناً. كانت تحتوي على "اللحظة الحاضرة". أخبره العجوز أن السر ليس في امتلاك المزيد من الوقت، بل في الحضور الكامل داخل الوقت الذي نملكه.
خرج كريم إلى الشارع، ولأول مرة منذ سنوات، توقف ليشعر ببرودة المطر على وجهه، دون أن ينظر إلى ساعته.
