الغابة الموحشة والمتحول الغاضب
مع مرور الأيام الطويلة، شعر ملك الجن أن هيبته بين قبائل الجن بدأت تتآكل وتتبدد، وأدرك أن الاعتماد على حراسه وجواسيسه لم يعد يجد نفعاً؛ فقرر أن يأخذ زمام المبادرة بنفسه. وبفعل سحره الأسود العتيق، حول الملك جسده إلى خنزير بري ضخم، ذي مخالب قوية وأنياب حادة، وانطلق يجوب الفيافي ويهرول بين أحراش الغابات الكثيفة. كان يتوقف عند كل شجرة، ويرفع بصره ليسأل الطيور الجاثمة فوق الأغصان واحداً تلو الآخر بنبرة آمرة: "هل مر من هنا ثعلب أسود ومعه فتاه من الإنس؟". وكانت تلك الطيور، بدافع الخوف أو الجهل، تهز رؤوسها نافية علمها بأي شيء. ولم يكن الملك يتورع عن الغدر بها؛ إذ كان يلتهم كل طائر ينفي رؤيتهما في الحال، وهو يزمجر غاضباً: "يا لكم من مخلوقات كاذبة وخائنة، على الرغم من جمال ريشكم وعذوبة أصواتكم!".
وفي هذه الأثناء، في بقعة أخرى من تلك الغابة المترامية الأطراف، أشرقت شمس الصباح الدافئة على روان ورفيقها الثعلب الأسود (الأمير سهير). كان الإرهاق قد بلغ منهما مبلغه، والجوع يعتصر أمعاءهما بعد ليلة هروب طويلة ومضنية حبست أنفاسهما. طفقا يسيران بخطوات متهالكة بين جذوع الأشجار الضخمة، وعيونهما تترقب أي شيء يمكن أن يسد رمقهما: ثمرة برية منسية، أو جدول ماء عذب يروي ظمأهما، أو حتى ظلاً ظليلاً يستريحان تحت ثقله قليلاً.
مغارة الناسك وسر الأمير سهير
بينما كانا يمعنان في السير وسط الغابة العذراء، لمحت روان من بعيد خيطاً رفيعاً من الدخان، ووجدت رجلاً يبدو عليه الصلاح والزهد، يقف بخشوع كامل وتضرع أمام مدخل مغارة صغيرة منحوتة في الصخر، وهو يصلي. وقفت روان وبجانبها الثعلب بأدب جم، وانتظرا حتى أنهى الرجل صلاته وسلم. تقدمت روان نحوه بخطوات وئيدة، وقالت بنبرة ملؤها اللطف: "السلام عليك ورحمة الله وبركاته يا شيخنا الفاضل".
بيد أن الناسك لم يرد السلام كعادة البشر، بل اتسعت عيناه، والتفتت نظرته الحادة والمليئة بالريبة نحو الثعلب الأسود الرابض بجوارها، وقال محذراً بصوت صارم: "ابتعدي عن هذا المخلوق فوراً يا ابنتي! فهذا الحيوان ليس سوى شيطان من الجن الملعونين، وإن بقي في جوارك فلن تسلمي من شره ومكره".
نظرت إليه روان بثبات وثقة هزت وقار المكان، وقالت: "أنا أعلم يا شيخنا أنه ينتمي لعالم الجن، ولكن هذا الذي تراه هو الأمير سهير، وهو ليس مثل بقية أفراد قبيلته الظالمين".
رفع الناسك حاجبه مزيجاً بين الدهشة العارمة والسخرية المبطنة، وقال: "عجباً لكِ! لا خير يرتجى من أولئك المخلوقات أبداً. إن من يقع في قبضتهم من بني البشر لا يرى النور مجدداً، بل يصبح طعاماً يتلذذون به. واعلمي أنه لا يدخل هذه الغابة الملعونة إلا هارب من مظلمة أو ضائع تائه عن السبيل".
هنا، تقدم الثعلب الأسود بخطوات هادئة ورزينة، ورفع رأسه متحدثاً بصوته المبحوح الذي يحمل نبرة الندم والانكسار: "يا شيخنا الجليل، لقد هداني الله سبحانه وتعالى إلى الحق وتبت عن كل ما مضى. ولكنك أعلم بأحوال عالمنا؛ إن الثعالب والخدم مجبرون على طاعة ملوكهم ولا يملكون من أمرهم راياً أو مشيئة. لقد قام الملك الظالم بمسخي على هذه الصورة الحيوانية البشعة عقاباً لي، وتثبيتاً لعجزي حتى لا أعصي له أمراً. ولكن الحب.. الحب الحقيقي لروان هو الذي فتح عيني على النور، وتغلب في النهاية على قوة السحر الأسود".
عند سماع هذه الكلمات، احمرّ وجه روان خجلاً، واجتاحتها غلالة من الحياء من كلمة "الحب" التي نطق بها الأمير، لكنها التزمت الصمت ولم تعقب بشيء. فقد كانت تعلم في قرارة نفسها أن وجوه الجن في حقيقتها قبيحة للغاية، تشبه وجوه الحرباء، ولهم عيون كبيرة مستديرة ومخيفة تثير الرعب في النفوس، إلا أن مخبر الأمير كان مختلفاً تماماً عن مظهره.
تنهد الناسك تنهيدة عميقة خرجت من سويداء قلبه، وقال بنبرة حانية: "آه من الحب! إنه السر العجيب الذي يجعل الإنسان أسعد خلق الله في أوقات، ويحيله إلى أتعسهم في أحايين أخرى. اقتربا مني، فلا شك أنكما جائعان وقد نال منكما التعب الشديد". دخلت روان وبرفقتها الثعلب إلى جوف المغارة الباردة، فأسرع الناسك نحو عنزته الصغيرة التي تربض في الزاوية، وحلبها بيده، ثم قدم لهما إناءً مليئاً بالحليب الدافئ وصحفة خشبية تحتوي على بضع تمرات، وقال متواضعاً: "تفضلا، هذا كل ما جادت به مغارتي؛ فحياة النسك والعبادة التي اخترتها تقوم على التبليغ والزهد، لا على ملاذ الأكل والشرب".
أكل الثعلب وروان بنهم حتى شبعا تماماً وارتدت إليهما قوتهما، ثم استلقيا على فراش خشن من القش. ولم تمضِ إلا دقائق معدودة حتى غطت روان في نوم عميق، مدفوعة بجهد الأيام الماضية، ولم تستيقظ إلا على صوت الناسك الرخيم وهو يبشرها في الصباح التالي: "استيقظي يا ابنتي، لقد نصبت فخاً صغيراً عند بزوغ الفجر، وقد علق فيه أرنب بري سمين؛ سأقوم بسلخه وطبخه لكما الآن، فأنا كما تعلمين رجل زاهد لا آكل اللحم".
اقتراب الخنزير البري ومواجهة الماضي
في تلك الأثناء، كان الخنزير البري الضخم – ملك الجن في هيئته المتحولة – لا يزال يقلب تربة الغابة ويبحث بكل غيظ عن الفتاة والهارب. وبينما هو يسير، صادف بومة عجوزاً تجلس بوقار فوق غصن شجرة جافة، فوقف تحتها وقال محاولاً تملقها: "يا أذكى وأجمل الطيور، هل رأيتِ ثعلباً أسود اللون يسير برفقة فتاة إنسية؟".
رفعت البومة رأسها بفخر واعتزاز، وقالت بصوت متقطع: "إن كنت تقصد ذلك الثعلب الغريب الذي كانت ترافقه فتاة حسناء، فقد مرا من تحت غصني هذا قبل بضع ساعات فقط، وقد استغربت كثيراً كيف يواصلان سيرهما طوال الليل دون توقف أو راحة".
قال الملك في نفسه بخبث ودهاء: "إن قتل هذا الطائر الآن عبث لا فائدة منه، سأترك البومة لحالها فهي تنقل الأخبار وتشيع الخوف في الغابة". وتابع مسيرته مسترشداً بكلماتها، حتى التقطت حاسة شمه القوية رائحة لحم مشوي وذكية، قادمة من عمق الأشجار. ابتسم الخنزير ابتسامة شريرة ظهرت فيها أنيابه المرعبة، وقال في سريرة نفسه: "لقد خدعني كل أعواني وجواسييسي؛ ذهبوا يبحثون عنهما في قرى الإنس والجن البعيدة، بينما هما يختبئان هنا في قعر الغابة تحت أنفي! سامسكهما بنفسي الليلة، وأعيدهما ذليلين إلى قصري، وعندها سيعود الجميع صاغرين إلى طاعتي وخوفي".
اقترب الخنزير البري الهائج ببطء نحو مصدر الدخان، حتى تراءت له مغارة الناسك، ورأى الشيخ العجوز يتعبد بخشوع أمام نار هادئة أوقدها تحت اللحم. تقدم منه الملك وبادره بغلظة وفظاظة: "أيها الشيخ الفاني، انصحك نصيحة حريص أن تسلمني الفتاة والثعلب اللذين يختبئان في داخل مغارتك، وسأتركك حياً تكمل عبادتك".
لكن الناسك أظهر ثباتاً أذهل الملك؛ إذ لم يلتفت إليه، ولم يقطع حبل تضرعه وعبادته، وكأن هذا المخلوق الضخم ليس سوى هباء منثور. زاد هذا التجاهل من مستويات الغضب في صدر الملك، الذي كان على وشك الهجوم والفتك بالشيخ.
صخرة الحماية وكشف الهوية
اشتد غيظ الخنزير البري، وراح يفرك حوافره الصلبة في الأرض بعنف، مثيراً الغبار والتراب، ثم انطلق مندفعاً كالقذيفة نحو باب المغارة الصغير يريد اقتحامها وتحطيم من فيها. ولكن، ما إن قارب الدخول حتى اصطدمت جبهته بشيء صلب وضخم كان مخفياً في الظلام السائد؛ لقد كانت صخرة عظيمة هوت بفعل تعويذة أو فخ أحكمه الناسك. سقط الملك على ظهره يتلوى من شدة الألم، وهو يعوي ويشهق بصوت يمزق سكون الغابة.
نهض بعد لحظات وهو يلهث وينفض التراب عن جسده، فرأى الناسك واقفاً عند المدخل بكل هدوء وثبات، ينظر إليه بنظرات قاسمة وقوية، وقال له ببرود: "هل ما زلت تملك الرغبة في دخول كهفي رغماً عني؟".
عندها، تراجع الملك خطوة إلى الوراء، وأدرك بحسه السحري أن هذا الرجل الذي يرتدي ثياباً بالية ليس ناسكاً عادياً، وأن لغة القوة والبطش لن تجدي نفعاً معه. فبدل أسلوبه في الحال، وتظاهر بالهدوء والمسالمة، وقال محاولاً المساومة: "أيها الشيخ القوي، إن كنت تريد جارية تخدمك، سأعطيك فتاة حسناء شعرها كأنه خيوط الذهب الخالص، وإن كنت ترغب في حيوان مطيع يخدمك ويسهر على راحتك، سأمنحك ثعلباً سحرياً يسبق الريح في جريه".
ابتسم الناسك ابتسامة حزينة ومصحوبة بالأسى، وقال: "يا لك من جاهل! إن نهايتك ونهاية ملكك الظالم ستكون على يد تلك الفتاه المستضعفة وذلك الثعلب الأسود، وسينتهي عهدكم الطاغي ويتبدد في أثير الغابة كما ينتهي الدخان في السماء".
انتفض الملك ذعراً وغضباً، وقال بحدة: "إنك تتكلم بنبرة وثوق وكأنك تعرفني وتعرف تاريخي!".
أجابه الناسك ببرود كالثلج: "نعم، وكيف لا أعرفك؟ هل نسيت بتلك السرعة ما فعلته بأمي قبل سنوات طوال؟".
تجهم وجه الملك، وحك رأسه بحوافره كمن ينبش في دفاتر ذاكرته القديمة والمظلمة، ثم قال: "لا أذكر أني رأيت وجهك هذا من قبل في حياتي".
قال الناسك وعيونه تلمع ببريق الحق: "هذا صحيح، فقد مرّ زمن طويل على تلك الحادثة النكراء. لقد جاءك رجالك ذات يوم بفتاة شابه من الإنس أسرُوها، وحين علمت بعد فحصها أنها حامل في شهرها الثاني، ولم تعد تصلح لتكون طعاماً شهياً لك، رميتها بلا رحمة في وادٍ سحيق من الغابة لتاكلها السباع والوحوش الضارية، ولم تستجب لتوسلاتها وبكائها المرير".
تنفس الملك بقوة وبدت عليه علامات المفاجأة، وقال: "ربما حدث ذلك بالفعل، فتلك عاداتنا القديمة.. ولكن، كيف عرفت أنت تفاصيل هذه الحكاية العجيبة التي طواها النسيان؟".
رفع الناسك رأسه نحو السماء، وقال بصوت يرتجف من فرط الألم والذكريات: "أنا هو ابن تلك المرأة المسكينة! لقد ولدتني في قلب هذه الغابة، وماتت بعد ولادتي بأشهر قليلة بسبب المرض والجوع. ولكن، كان هناك رجل صالح من الجن يزورنا في الخفاء ليلاً، ويحمل لنا ما يسد رمقنا من الطعام والشراب. وفي ليلة من الليالي، استيقظت لأجد أمي جثة هامدة لا تتحرك، وكنت لا أزال طفلاً رضيعاً لا يقوى على المشي، فزحفت على ركبتي الصغيرتين مسترشداً بضوء القمر، حتى وصلت إلى هذا الكهف، وكنت أظن أني ساموت فيه لا محالة".
في تلك اللحظة بالذات، خرج الثعلب الأسود من داخل المغارة بعد أن استمع لكلمات الناسك، وصاح بدهشة عارمة: "سبحان الله! أنت هو ذلك الطفل الصغير؟ لا أستطيع تصديق ما تسمعه أذناي! أنا هو ذلك الجني الذي كان يزوركما! لقد اقترحت على أمك في ليلتها الأخيرة أن تركب على ظهري لأطير بها وأعيدها إلى أهلها وعشيرتها، لكنها رفضت وخافت أن يكتشفوا أمر مولودها من الجن، وفضلت البقاء معك في الغابة رغم كل الظروف القاسية".
المساومة وثورة الرفض
تراجع الملك خطوة أخرى إلى الخلف، وظهر عليه الارتباك الشديد بعد انكشاف هذه الأسرار، ولكنه حاول استعادة السيطرة فقال بصوت متهدج: "اسمعا.. أنا الوحيد في هذا الكون القادر على نزع السحر وفك المسخ عن هذا الثعلب وإعادته بشرياً. ولكن، لكل شيء ثمن؛ مقابل هذا، يعيد لي الثعلب القفل والمفتاح السحريين اللذين سرقهما، ويتعهد تعهداً قاطعاً بعدم الاقتراب من حدود مملكتي مجدداً، أما ذلك الياقوت والزمرد فليحتفظ بهما".
بيد أن الثعلب رفع رأسه بكل عزة وإباء، وقال بثبات وزلزل أركان المفاوضات: "بل أنا من يقترح عليك شيئاً آخر يا ملك الجن! كف عن اصطياد بنات الإنس الأبرياء، واقطع دابر أكل المسافرين والتائهين الذين يقعون في أيدي قبيلتك. لعل الله سبحانه وتعالى يرحمكم بهذا الصنيع، ويبارك في نسلكم الذي بدأ يتلاشى. إن ما يحدث لقبائلكم اليوم من ضعف وموت ليس إلا عقاباً إلهياً عادلاً على ظلمكم وبطشكم".
زنجر الملك واشتد سخطه، وصاح بصوت مرعب زلزل الأشجار: "لن ترى ذلك اليوم ما حييت أبداً! ستبقى ممسوخاً على هيئة ثعلب ذليل أبد الدهر، تلهث خلف العظام الفانية في البراري، ولن تتزوج محبوبتك روان أبداً! أما الآن فساغادر هذا المكان، ولكن لقاءنا القريب سيكون دموياً، وسأعلق جماجمكم جميعاً على بوابه قصري العتيد". ثم استدار الخنزير البري وابتعد مسرعاً وهو يتلوى من الغيظ والإهانة؛ فهذا آخر شيء كان يتوقعه في حياته: أن يجد من يقف في وجهه ويتحدى سلطانه.
في حقيقة الأمر، كان الملك الظالم يملك قدراً من التسامح الغريب مع الأمير سهير؛ فلو كان ملكاً من ملوك الجن العتاة الذين سبقوه في العصور الغابرة، لقتله منذ اللحظة الأولى التي تجرأ فيها على عصيان أوامره. ولكن سهيراً، بعد مساعدته لروان ومواجهته العلنية للملك، صار له شأن رفيع في أعين بعض العائلات والقبائل من الجن المستنيرين، وبدأ يجمع حوله في الخفاء من هم مستعدون لنصرته والثورة على هذا الطغيان.
ومع ذلك، فإن ما كان يثير حيرة الملك ويقض مضجعه هو ذلك الناسك الغريب؛ كيف لرجل ضعيف المظهر، يعيش على التمر والحليب، أن يملك قوة روحية وجسدية تحطم جبهة ملك الجن حين حاول نطحه؟ لم يفهم الملك السر الكامن وراءه، ولكنه أقسم بأغلظ الأيمان أنه حين يعود لقصره سيجمع شمل قبيلته ويعلن حرباً شعواء لا تبقي ولا تذر. فالقبيلة لم تعد كما كانت في الأزمنة القديمة؛ لم يعودوا يرعبون الغابات، والجيل الجديد منهم ولد ضعيفاً وقليل العدد، وكان الملك يعتقد واهماً أن سفك الدماء وقطع الرؤوس سيعيد الهيبة والقوة لقبيلته التي بدأت تحتضر.
خطة التسلل لعرين الأسد
في تلك الفترة، كانت روان والثعلب يستعدان للرحيل الفوري من المغارة بعدما علما أن الملك قد اكتشف مكانهما. ولكن الناسك استوقفهما، ووقف أمامهما بحزم وقال: "لقد حان الوقت ليدفع هذا الملك ثمن جرائمه النكراء؛ إن لم نوقفه الآن عند حده، فلن يتوقف عن اختطاف البنات وقتل الأبرياء".
قالت روان بنبرة يملؤها الخوف: "وما عسانا أن نفعل في مواجهته؟ لا تغرنكم هزيمته اليوم أمام المغارة، فهو ساحر بارع يملك تعاويذ تخضع الجبال".
نظر الثعلب إلى الناسك مؤيداً كلامها: "هذا صحيح تماماً؛ فقصره مليء بالسراديب المظلمة والغرف السرية المحرمة، ولا أحد يعلم على وجه اليقين ما تحتويه تلك الأماكن التي تعود لعهود سحيقة لا يعلمها إلا الله".
سأل الناسك الثعلب بذكاء: "أخبرني، هل القفل والمفتاح السحريان اللذان سرقتهما ما زالا في حوزتك؟".
استغرب الثعلب السؤال وقال: "نعم، هما معي.. ولكن لماذا تسأل؟ هل تنوي الدخول إلى القصر؟".
رد الناسك بعزم يفل الحديد: "نعم! سنهاجمه في عقر داره قبل أن يجمع قومه وجيوشه للقتال، ويصبح من المستحيل إيقاف شره. سندخل القصر تحت جنح الليل حين ينام الجميع، ونبحث في كتبه ومخطوطاته القديمة؛ لعلنا نجد هناك وصفة تبطل السحر عنك وتعيدك لحالتك البشرية".
اعترضت روان بشدة وقالت بدموع: "لا.. لن أوافق! لن أبقى هنا بمفردي في هذا المكان الموحش والمليء بالذئاب والوحوش".
ولكن الثعلب دنا منها وقال لها برفق وحنان: "يا روان، إن الدخول إلى قصر الملك محفوف بالمخاطر المهلكة، ونحن نخشى عليكِ. خذي هذه الريشة السحرية؛ إن أصابنا مكروه أو تأخرنا، ما عليكِ إلا إحراقها، وسياتيكِ طائر أخضر عظيم يقودكِ بأمان إلى قريتكِ. وهذه السرة المليئة بالياقوت والزمرد هي لكِ، وما فيها يجعلكِ أغنى من سلطان البلاد نفسه". لم ينفع بكاؤها ولا توسلاتها أمام إصرارهما، وكانت تعلم في أعماق قلبها الغض أن الأمير سهيراً يحبها ويخشى على حياتها؛ فقالت في نفسها: "إن نجا من هذا السحر وسلِم، سأتزوجه بكل فخر ولو ظل على هيئته القبيحة؛ فالرجال تُقاس بأفعالها ومواقفها لا بوسامة وجوهها". أوقدت ناراً صغيرة وجلست بجوارها تلتمس الدفء وتنتظر عودتهما والقلب يرتجف.
معجزة "شمعة الخضر" الباقية
انطلق الثعلب والناسك يسيران بخفة بين الممرات الضيقة والمنعطفات الخطيرة في أعماق الغابة المظلمة. وفي الطريق، التفت الثعلب نحو الشيخ وقال متعجباً: "لم أفهم حتى الآن يا شيخنا، كيف تمكنت من البقاء على قيد الحياة والنمو في تلك المغارة الموحشة، وأنت طفل رضيع لا يتجاوز عمره بضعة أشهر؟".
ابتسم الناسك وعادت به الذاكرة إلى سنين الخوالي، وقال: "كل ما أذكره من طفولتي الأولى، أني كنت في ذلك الكهف المظلم، أبكي بحرقة وضياع من شدة الجوع. وفجأة، انشق الظلام وظهر أمامي شيخ جليل يرتدي ثوباً أخضر ناصعاً، يحمل في يده اليمنى شمعة مضيئة، وفي اليد الأخرى يقود عنزة صغيرة. نظر إلي وقال بصوت يملأ النفس طمأنينة: 'يا بني، لا تبكِ في هذا الظلام؛ أنا رجل هداني الله لعمل الخير، ومررت من هنا لاني سمعت بكاءك المستغيث'. ثم قام بحلب العنزة وسقاني من حليبها الدافئ حتى ارتويت، والتفت نحو الشمعة وقال: 'واعلم أن هذه الشمعة لن تنطفئ أبداً مهما اشتدت الرياح وعصفت العواصف'. ثم وضع يده المباركة على رأسي ودعا لي بالبركة والحفظ، ورحل وهو يبتسم".
فتح الثعلب فمه من فرط الدهشة والصدمة، وقال: "يا لها من حكاية تقشعر لها الأبدان! سبحان الله! هذا أمر عجيب لم أسمع بمثله قط. كنت أظن في عالمنا أن قصص 'الخضر' مجرد خرافة وأساطير يتداولها البشر! وماذا حدث بعد لقائه العجيب ذاك؟".
أجابه الناسك بابتسامة هادئة ورضا تام: "لا شيء يستحق الذكر بعد ذلك؛ فكلما شعرت بالجوع، كنت أتقدم من تلك العنزة التي تركها لي وأحلبها، وكان حليبها سحرياً يقويني ويشد بدني، فلا يصيبني برد الشتاء ولا سقم الغابة. لم أعرف المرض أو الوهن يوماً في حياتي. وحين كبرت وصرت شاباً، نسجت ثيابي هذه من صوفها المبارك، ثم اكتشفت فجأة أني محمل بمعارف وعلوماً كثيرة عن صنائع الحياة، وفنون الغزل، وتركيب العقاقير وطب الأعشاب الشافية، دون أن يعلمني إياها أي بشر". ضحك الثعلب وقال بغبطة: "سبحان الله العظيم! كل هذه المعجزات والقوة هي ببركة دعاء الخضر لك".
اقتحام قصر الأسرار المحرمة
في تلك اللحظة المشحونة بالترقب، ظهرت أمامهما من بين الضباب أسوار قصر الملك العظيمة التي تطاول السماء. كان القصر مهيباً ومخيفاً، وقد نُحتت على جدرانه الخارجية تماثيل ونقوش قديمة لملوك وحوش، تهشمت أطرافها بفعل عوادي الزمن ومرور السنين. اختبأ الناسك والثعلب خلف صخرة ضخمة، ينتظران بفارغ الصبر حلول الظلام الدامس وسكون الحركة.
لاحظ الناسك بعينه الفاحصة أن البوابه الكبرى للقصر مشرعة ومفتوحة على مصراعيها، فتعجب وقال: "عجباً! كيف يترك هذا الملك الطاغية حصنه وقصره مفتوحاً ومستباحاً هكذا دون حراسة؟".
ابتسم الثعلب وقال بذكاء: "لا أحد في عالم الجن أو الإنس يستطيع إغلاق هذه البوابة الآن؛ لأن القفل والمفتاح السحريين في حوزتي. ولهذا السبب جن جنون الملك وثارت ثائرته عندما اختفيا. بفضلهما، سندخل الليلة إلى الغرف السرية والدهاليز المحرمة؛ تلك الأماكن العتيقة التي لا يجرؤ على دخولها إلا ملوك الجن، ويحرسونها جيلاً بعد جيل، لأنها تحوي شيئاً رهيباً وسراً خطيراً لا يجب أن تقع عليه عين مخلوق".
حل الليل البهيم، وسكنت الرياح تماماً، فتسلل الاثنان إلى داخل القصر الواسع، وراحا يجوبان الممرات الطويلة كالاشباح الصامتة، حتى وصلا إلى حائط غريب نُقش عليه بمهارة شكل شمس تخرج من بين السحاب. تقدم الثعلب بثقة، ووضع المفتاح السحري في ثقب صغير دقيق بالكاد يرى بالعين المجردة. وعندما أداره دورة واحدة، انفتح الباب السري ببطء ودون إحداث أي صوت، وكأن الجدار الصخري قد انشق من تلقاء نفسه.
ظهرت أمامهما درجات حجرية ضيقة تنحدر نحو باطن الأرض. أخرج الناسك "شمعة الخضر" المباركة وأشعلها، فنشرت ضوءاً بدد ظلمات السرداب، ونزلا معاً إلى الأسفل. في القاع، وجدا ردهة طويلة تصطف فيها توابيت مذهبة وفخمة، مرصوفة جنباً إلى جنب. نظر الناسك إليها بخشوع واحترام للموت، وقال: "هذا هو سرداب الملوك؛ هنا يرقد ملوك الجن من أول ملك أسس هذه السلالة إلى آخرهم.. لا شأن لنا بهم الآن، فلنتابع مسيرنا".
معبد السحرة وفخ الغبار الأصفر
تابعا السير بحذر، ودخلا غُرفة تلو الأخرى في باطن الأرض؛ وجدا غرفة مليئة بالمخطوطات القديمة والتعاويذ، وأخرى تضم أسلحة ملكية ودروعاً مرصعة، وثالثة تكتظ بالثياب الفاخرة المنسوجة من الذهب. ثم وصلا في نهاية المطاف إلى دهليز طويل مظلم، يقود في نهايته إلى غرفة خامسة مقفلة. فتحا الباب بصعوبة بالغة، وكان من الواضح تماماً أن أحداً لم يطأ عتبة هذه الغرفة منذ قرون مضت؛ فالغبار الكثيف يملا الهواء، وعناكب الغابة قد نسجت خيوطها المعقدة في كل ركن وزاوية.
في الداخل، وجدوا صناديق خشبية عتيقة تحتوي على حيوانات صغيرة محنطة ومخيفة، وعلى الجدران رفوفاً خشبية تكتظ بقوارير زجاجية مليئة بالعقاقير الملونة، وكتباً ضخمة اصفرّ لون ورقها من قدم الزمان. تقدم الناسك نحو أحد الكتب الكبيرة، ونفض عنه الغبار الكثيف، فصرخ بفرحة غامرة هزت السرداب: "يا سهير! ها هو ذا.. هذا هو معبد السحرة القديم!".
اقترب من ضوء الشمعة، وأخذ يقلب صفحات الكتاب العتيق بعناية، حتى توقف عند صفحة معينة وفتحها بالكامل. كان الكتاب مكتوباً بلغة غريبة ورموز قديمة، لكن الناسك، بفضل علمه اللدني، قراها بسهولة ويسر، وقال بعد لحظات من التمعن: "لقد وجدتها يا سهير! هذه هي الوصفة السحرية التي ستبطل السحر والمسخ عنك وتعيدك بشرياً! وليس هذا فحسب، بل إن هناك وصفات أخرى هنا تمنحك شكلاً وسيمًا وجمالاً يفتن كل الفتيات ويجعلهن يعشقنك".
ضحك الثعلب الأسود بنبرة مازحة خففت من جمود الموقف، وقال: "أرجو فقط ألا يزول جمال وجهي هذا عندما أغسله بالماء صباحاً!".
ضحك الناسك بدوره وقال: "اطمئن، فهذا هو سحر الملكين ببابل، هاروت وماروت، ولعل هذا الكتاب هو آخر الكتب الباقية من ذلك الزمان الغابر. وبعد أن ننتهي من إبطال سحرك، سأقوم بإحراق هذا الكتاب اللعين وإحراق هذه المكتبة بأكملها؛ كي ينتهي الشر والظلم من جذوره ولا يستغله أحد بعدنا".
ولكن فجأة، انقطع حبل ضحكاتهما وصوتيهما، وجمدت الدماء في عروقهما حين دوى صوت غليظ ومرعب من خلفهما يقول: "بل أنتما الاثنان من سينتهي وجوده في هذا العالم اليوم!".
استدارا بسرعة والذعر يتملكهما، فإذا بملك الجن في هيئته الحقيقية البشعة يقف عند مدخل الغرفة، وخلفه طابور من حرسه الأشداء يشهرون الرماح الحادة والسهام المسمومة نحو صدريهما. وقبل أن يقوما بأي حركة، ألقى الملك بفراشه السحري في الهواء، فخرج منه غبار أصفر كثيف انتشر بسرعة فائقة في أرجاء المكان. وما هي إلا لحظات معدودة حتى سقط الناسك والثعلب على الأرض، وشعرا بدوار شديد يشل أطرافهما وعقلهما، وباتا عاجزين تماماً عن الحركة أو المقاومة. تقدم الحرس وقيدوهم بالحبال الغليظة، وانتزع الملك من الثعلب القفل والمفتاح السحريين. ابتسم الملك ابتسامة مظلمة تنضح بالتشفي، وقال: "كنت أعلم في قرارة نفسي أنك ستعود إلى هنا أيها الأمير الأحمق؛ ومنذ زمان طويل وأنا في انتظار هذه اللحظة. لم يبقَ أمامي الآن إلا القبض على تلك الفتاة روان، وبعدها سأنفذ فيكم حكم القتل جميعاً". وهكذا، سقط الناسك والثعلب في قبضة الملك الظالم ودخلوا غياهب الأسر.
شجاعة روان والريشة الخضراء
على الجانب الآخر، في المغارة المعزولة، أمضت روان وقتاً طويلاً تجلس بجوار النار الموقدة، قبل أن يتسلل إلى نفسها شعور خانق بالوحشة والوجل، واشتد خوفها وقلقها على مصير الأمير سهير والناسك الحكيم. وقفت وقالت في نفسها بحزم: "لن أجلس هنا مكتوفة اليدين أنتظر قدري؛ سأقترب من القصر وأترقب عودتهم هناك".
أخرجت روان الريشة الخضراء البديعة التي أعطاها إياها الثعلب، وألقتها في النار المشتعلة. ولم تمضِ إلا لحظات وجيزة حتى سمعت صوت رفرفة قوية وعنيفة للأجنحة فوق رأسها. رفعت بصرها نحو السماء، لتجد طائراً أخضر بديع الخلق، ضخم الجناحين، ليس في الدنيا طائر يضاهيه جمالاً أو هيبة. حط الطائر أمامها وقال بصوت فصيح: "أنا في الخدمة يا روان، خذيني إلى قصر الجن بسرعة". رد الطائر بطاعة: "سمعاً وطاعة يا سيدتي". وانطلقت روان خلفه، تخترق ظلام الغابة الحالك بين الأشجار المتشابكة والأعشاب الطويلة، حتى أوصلها بأمان إلى جدران قصر الملك.
سألت روان الطائر بقلق: "هل يمكنك التسلل إلى داخل القصر، لترى ماذا حل بسهير والناسك؟". طار الطائر الأخضر بخفة ودخل عبر إحدى النوافذ العالية، وغاب لفترة ثم عاد وجسده يرتجف رعباً، وقال: "يا روان، المصيبة قد وقعت! لقد رأيت الملك يمسك بهما ويزجهما مقيدين في السجن السفلي المظلم. وهو الآن يجهز جنوده ويخرج معهم للقبض عليكِ في الغابة؛ يريد أن يعلق جثثكم جميعاً على باب القصر عند الفجر لتأكلها الغربان والبوم!".
ارتعش قلب روان وسرى الخوف في أوصالها، لكنها تمالكت نفسها وقالت بشجاعة: "الحمد لله رب العالمين الذي ألهمني المجيء إلى هنا قبل أن يصلوا إلى مغارة الناسك ويقبضوا علي". اختبأت روان وراقبت جنود الجن وهم يخرجون من البوابة الكبرى حاملين المشاعل المشتعلة يتقدمهم الملك. وما إن خرج آخر جندي منهم وانطلقوا نحو الغابة، حتى تسللت روان بذكاء وسرعة إلى داخل القصر قبل أن تُغلق البوابة.
استمعت جيداً فلم تسمع ركناً يتحرك، وعمّ القصر هدوء مخيف. التفتت نحو الطائر وقالت: "أرجوك، دلني سريعاً على المكان الذي رأيت فيه الأمير والناسك". قادها الطائر عبر ممرات القصر المعقدة إلى دهليز عميق في باطن الأرض، ثم طار وحط بجناحيه أمام جدار صخري مليء بالزخارف والنقوش القديمة.
نظرت روان بحيرة وقالت: "أين الباب؟ أنا لا أرى شيئاً سوى الجدار الصمّاء!". أجابها الطائر بأسى: "هذا الباب سحري، ولا يفتح أبداً إلا باستخدام القفل والمفتاح، وهما الآن في قبضة الملك خارج القصر".
اشتد قلق روان وتملكها اليأس، فبدأت تضرب الجدار الصخري بكل ما أوتيت من قوة بيديها الصغيرتين وتصرخ. وبعد لحظات من المحاولة، سمعت صوتاً ضعيفاً ومكتوماً يخرج من خلف الحائط يقول: "روان؟ هل هذا أنتِ حقاً؟ ألم أوصِكِ وأرجوكِ بالبقاء في الكهف وعدم القدوم إلى هنا؟".
أجابته وهي تبكي: "لو فعلت ذلك وبقيت هناك، لقُبض عليّ وضاع كل شيء؛ فالملك ومعظم جنوده قد خرجوا للبحث عني في الغابة. يجب عليكم الآن أن تجدوا طريقة سريعة للهروب من هذا السجن قبل عودتهم الفادحة!".
السر الأكبر وتحطم "الحجر الرمادي"
في تلك اللحظات العصيبة داخل الزنزانة، كان الناسك يستفيق تدريجياً من الأثر المخدر للغبار الأصفر، ورأسه يخفق بشدة من الألم. تحامل على شيخوخته وقام مسرعاً يقلب صفحات الكتب والمخطوطات المتناثرة في الغرفة بحثاً عن أي تعويذة أو سر يساعدهم على الخلاص. أما الثعلب، فقد ظل يطوف بزوايا الغرفة الواسعة ويتفحص محتوياتها بدقة، وفجأة صاح بصوت عالٍ: "يا شيخ، انظر إلى هذا!".
اقترب الناسك مسرعاً، فرأى حجراً غريباً ذو ملمس خشن، يتوهج ببريق رمادي غامض وساحر، موضوعاً بعناية داخل صندوق مصنوع من العاج الفاخر. فقال الشيخ متعجباً: "ما هذا الحجر العجيب؟ لم أرَ مثله طوال حياتي في هذه الغابة!".
هز الثعلب رأسه وقال بنبرة العارف بأسرار ملوكه: "أعتقد، بل أنا على يقين، أن هذا هو 'الحجر الرمادي'؛ السر الأكبر والأعظم الذي يحرسه ملوك الجن جيلاً بعد جيل، ويبنون حوله الأساطير لحماية ملكهم. إن كل علومهم، وقوتهم، وسحرهم الأسود مبني ومستمد من طاقة هذا الحجر. وتؤكد النبوءات القديمة في عالمنا أنه إن حُطم هذا الحجر وتفتت، زال السحر بالكامل عن القصر وعن القبيلة".
قال الناسك بحزم وعينيه تلمع بشجاعة: "لم يعد لدينا ما نخسره في هذه اللحظة!". ورفع مهراساً حديدياً ثقيلاً وجده في الغرفة، وسدد بكل قوته ضربة حاسمة وقوية للحجر الرمادي. انشق الحجر في الحال إلى شظايا صغيرة وتطايرت القطع الرمادية في كل اتجاه من الغرفة. وما إن تحطم الحجر وتفتت طاقته، حتى اهتزت الأرض اهتزازاً عنيفاً من تحتهم، وانفتح الباب السري بقوة وعنفوان تحطمت معه الصخور.
صرخ الثعلب مسرعاً: "روان! اركبي على ظهري سريعاً!". حملت روان نفسها وصعدت فوق ظهره يتملكها الرعب، وصعد الناسك خلفها مستمسكاً به. وما إن ارتفعوا في الهواء طائرين بفضل ما تبقى من سحر الطيران، حتى حدثت المفاجأة الكبرى؛ خسفت الأرض بالكلية تحت قصر الملك، وبدأ القصر العظيم ينهار ويتلاشى ركناً بعد ركن: الغرف الفاخرة، الكنوز المسروقة، الأسلحة الملكية، والمخطوطات القديمة، كلها ابتلعتها الأرض، حتى تحول القصر الشامخ إلى مجرد حفرة سوداء عميقة لا أثر فيها للحياة.
قال الناسك وهو ينظر للأسفل: "علينا أن نسرع ونسبق ملك الجن ونخرج من حدود مملكته قبل أن يعود ويرى ما حدث". أسرع الناسك وأخذ عنزته الصغيرة وشموع الخضر، وطار الثلاثة برفقة الطائر الأخضر نحو أطراف الغابة بأقصى سرعة.
نهاية الطاغية وعودة الأمير
ولكن، ما لم يكن يعلمه الهاربون الثلاثة في تلك اللحظات، هو أن جميع جنود وحرس الملك الذين كانوا ينتشرون في الغابة بحثاً عن روان، قد تساقطوا أرضاً في نفس لحظة تحطم الحجر الرمادي؛ إذ داهمهم مرض مفاجئ ووهن شديد، وبدأوا يموتون واحداً تلو الآخر بفعل زوال طاقة السحر التي كانت تمدهم بالحياة، ولم يبقَ على قيد الحياة من القبيلة بأكملها إلا الملك نفسه.
عاد الملك وحيداً إلى موقع قصره، ليصدم بالخراب الشامل والدمار الذي حل بملكه؛ فلم يجد قصرًا ولا حراساً، بل حفرة سوداء تبتلع تاريخ أجداده. جلس الملك فوق الأنقاض والتراب، وراح يضرب رأسه بيديه من شدة الندم والحسرة، وهو يبكي بصوت متهدج: "يا ليتني لم أكن متسامحاً! لقد تسامحت مع الأمير سهير كثيراً وعفوت عن قتله في المرة الأولى، وهذه هي نهايتي الشنيعة!". ثم نزل ببطء ويأس إلى ما تبقى من سرداب الملوك السفلي الذي لم يطله الخسف بالكامل، واستلقى بجوار توابيت أجداده الغابرين، وأسلم الروح ومات في الحال؛ وكان بذلك أول ملك من ملوك الجن لا يُبنى له تابوت مذهب منذ آلاف السنين.
زوال السحر الأبدي والوفاء بالعهد
أخيراً، وصل الثعلب وروان والناسك الحكيم إلى أطراف القرية الإنسية بأمان. التفت الناسك نحو الثعلب، وقال بنبرة يملؤها الأسف والحزن: "يا سهير، يؤسفني جداً أن أقول لك إننا فشلنا في إتمام وصفة إبطال السحر؛ فالمكتبة والمخطوطات قد دُفنت تحت الأرض، ويبدو أنك ستبقى حبيس جسد هذا الثعلب الأسود طوال حياتك".
ولكن، في تلك اللحظة بالذات، سُمعت ضحكات فرحة ونقية تأتي من خلفهم. استدار الناسك وروان مصدومين، ففتحت روان فمها وتجمد الشيخ في مكانه من فرط الدهشة؛ فالثعلب الأسود الممسوخ قد اختفى تماماً، ووقف مكانه شاب وسيم للغاية، ممشوق القوام، ذو عينين خضراوين لامعتين كزمرد الغابة! لقد عاد الأمير سهير إلى صورته البشرية الحقيقية البهية.
عانق الأمير سهير روان بوعي وفرح، وقال وهو يبتسم: "الحمد لله! لقد كنت أحتفظ بقطعة صغيرة جداً من الحجر السحري الرمادي المتنور، اختبأت في ثنايا ثيابي وفروي حين قام الشيخ بتحطيمه بالمهراس. وبفعل تفتت تلك القطعة الصغيرة بين يدي الآن، زال أثر السحر والمسخ عني بالكامل وعدت كما كنت".
بكى الناسك من فرط الفرح والامتنان لله، وقال: "سبحان الله العلي العظيم! سبحان من ينجي عباده الصالحين من حيث لا يحتسبون ولا يدرون".
استخدم الأمير سهير الكنوز الثمينة التي كانت معه من الياقوت والزمرد، واشترى بها قصراً كبيراً وفخماً في القرية، وتقدم لخطبة روان من والديها حسان وسهيلة اللذين طارا فرحاً بعودة ابنتهما زاحتين غيمة النذر القديم. وتزوج الأمير من روان في حفل بهيج تحدثت عنه القرية لسنوات، وعاشا معاً حياة سعيدة يملؤها الحب والسلام.
أما الناسك الحكيم، فقد قرر ترك حياة العزلة في المغارة، وتزوج من فتاة صالحة رآها في القرية، وانتقل للعيش مع الأمير وروان في قصرهما الكبير، حيث خصصوا له ركناً يعمل فيه في طب الأعشاب وصنع العقاقير الشافية ليساعد أهل القرية بالمجان. وبمرور الأيام والسنوات الطويلة، نسي الناس تماماً أمر الجن المخيفين وقل ذكرهم في المجالس، وأصبحت النساء والأمهات في القرى يمتنعن تماماً عن الدعاء على بناتهن أو نذر نذور متسرعة في لحظات الغضب، خوفاً من تكرار ذلك المصير والوقوع في شر العواقب.
وبهذا يا أصدقائي الأعزاء، نكون قد وصلنا معاً إلى نهاية حكايتنا المثيرة والمشوقة لليوم، والتي تعلمنا منها أن الشجاعة، والتوبة، والحب الصادق قادرون على تحطيم أعتى أنواع السحر والظلم. إن رغبتم في الاستماع إلى المزيد من القصص الممتعة والحكايات المليئة بالعبر والأحداث المثيرة، فلا تنسوا دعمنا بإعجابكم واشتراككم في القناة وتفعيل جرس التنبيهات؛ فتشجيعكم ودعمكم هو أكبر حافز لنا لتقديم الأفضل دوماً وإحياء تراث الأجداد.
نلتقي بمشيئة الله تعالى في قصة جديدة وحكاية مشوقة أخرى، دمتم جميعاً في أمان الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
س: كيف استعاد الأمير سهير هيئته البشرية في نهاية القصة؟
ج: استعاد الأمير سهير هيئته البشرية بفضل احتفاظه بقطعة صغيرة من "الحجر الرمادي السحري" في ثيابه؛ فعندما تحطم الحجر الأصلي وزال السحر عن القصر، تفككت القطعة الصغيرة بيده وأبطلت تعويذة المسخ تماماً.
س: ما هي معجزة شمعة الخضر والناسك في قصة الثعلب الأسود؟
ج: المعجزة تمثلت في ظهور شيخ بثوب أخضر (الخضر) للناسك عندما كان طفلاً رضيعاً يبكي جوعاً في الكهف، حيث منحه عنزة لا ينقطع حليبها، وشمعة لا تنطفئ أمام الرياح، ودعا له بالبركة والعلم دون معلم.
