في غابر الأزمان وسالف العصور، عاشت امرأة صالحة تُدعى "سهيلة" مع زوجها "حسان" في بيت يملأه الهدوء، لكن كان ينقصه ضجيج الأطفال وضبَطُهم. مرت عليهما سنوات طويلة دون أن يُرزقا بولد، فباتت قلوبهما تتفطر شوقاً وعاطفةً لنداء الأمومة والأبوة.
وفي ليلة شديدة الظلمة، كان الزوجان عائدين إلى منزلهما عبر طريق مهجور وموحش، وفجأة، انشق السواد عن ثعلب أسود غريب المظهر، وقف في منتصف الطريق يحدق نحوهما بعينين كالجمر اللامع. ارتجفت سهيلة ذعراً، وفي لحظة من الاضطراب الشديد والخوف الطاغي، همست في سرها بكلمات لم تزن عواقبها، قائلة: "لو رزقني الرحمن بنتاً، لزوجتها لأسودَ مثل هذا الثعلب".
الحمل المبارك والندم الخفي
دارت الأيام وتوالت الأسابيع، وإذا بسهيلة تشعر بأعراض الحمل. في تلك اللحظة، امتزجت في صدرها مشاعر متناقضة؛ طار قلبها فرحاً لأن الله استجاب رجاءها، لكن غيمة من الحزن والندم انقشعت فوق رأسها حين تذكرت ذلك النذر المتسرع الذي قطعته على نفسها في تلك الليلة المشؤومة.
حين اكتملت أشهر الحمل، وضعت سهيلة طفلة بهية طلعتها كالبدر، أسماها والداها "روان". أشرقت جدران البيت بابتسامتها، ومع الأيام انشغل الأبوان بتربيتها ورعايتها، فغمر الطفلة حبٌّ جارف أنسى الأم نذرها القديم تماماً، وظنت أن الأقدار قد طوت تلك الصفحة.
رسول الظلام يطالب بالوفاء
كبرت روان، وصارت فتاة يافعة أُرسلت إلى "الكُتّاب" لتعلم القراءة والكتابة وحفظ آيات الله. وفي يوم من الأيام، وهي في طريق عودتها إلى البيت، ظهر لها ذات الثعلب الأسود من بين الأشجار، سدّ عليها طريقها وراح يحدق في ملامحها بنظرات ثاقبة، ثم نطق فجأة بصوت غريب غير مألوف قائلاً: "قولي لأمكِ أن تفي بنذرها".
ارتعبت روان من هول الموقف وركضت نحو بيتها يسبقها الريح، لكنها ما إن دخلت عتبة الدار حتى تملّكها نسيان عجيب مَحا كلمات الثعلب من ذاكرتها. وتكرر المشهد في اليوم الثاني، ثم في اليوم الثالث؛ يظهر الثعلب، يلقي وعيده، وترتعب الفتاة ثم تنسى فور وصولها.
في اليوم الرابع، استشاط الثعلب غضباً، ووقف أمامها بصرامة وسألها: "لماذا لا تخبرين أمكِ بما أقوله لكِ؟".
فأجابته وهي ترتعد خوفاً: "أنا أنسى.. أقسم لك أني أنسى كلما وصلت!".
حينها، نظر إليها الثعلب بذكاء، ومدّ يده بقطعة من الحلوى وقال: "ضعي هذه في جيبكِ، وعندما ترينها في البيت ستتذكرين كل شيء".
الحقيقة المُرّة والرحيل الحزين
عادت روان إلى بيتها ونسيت كالعادة، إلا أن عيني الأم الثاقبتين لاحظتا قطعة الحلوى الغريبة في جيب ابنتها. سألتها عن مصدرها، وفجأة انحلت عقدة ذاكرة روان فقصت على أمها حكاية الثعلب الأسود ورسالته المتكررة. حين سمعت سهيلة الكلمات، اهتزت الأرض من تحتها، وصرخ النذر القديم في أعماقها.
عندما حلّ المساء وعاد حسان إلى منزله، نقلت إليه زوجته الخبر بدموع منهارة. خيّم الصمت الثقيل على الأب، ثم قال بصوت مثقل بالهموم والألم: "يا سهيلة، النذر نذر، ولا بد لنا أن نفي بما ألزمنا به أنفسنا أمام الله". ومنذ تلك الليلة، غلف الخوف والترقب جدران الكوخ، وكأن العائلة تنتظر قطار الموت.
لم يطل الانتظار؛ فقُبيل غروب شمس أحد الأيام الثقيلة، دوّى طرق عنيف ومفاجئ على الباب. فتحت سهيلة الباب بيد مرتجفة، لتجد الثعلب الأسود واقفاً بثبات وثقة، يطالب بحقه النذري. بكت الأم بحرقة وهي تشرح لروان الحكاية، واستسلمت الفتاة لقدرها بشجاعة صامتة. ودعت والدها الذي ضمها إلى صدره ضمة الوداع الأخير، ثم عانقت أمها ومسحت دموعها، وخرجت بخطوات مترددة لتمشي خطوة بخطوة إلى جوار الثعلب، تحت أنظار والديها اللذين وقفا على العتبة يبكيان بمرارة.
رحلة السماء إلى قصر الأسرار
سار الثعلب برفقة روان حتى تجاوزا حدود البلدة وانقطعت الأنظار، فالتفت إليها وقال: "اصعدي على ظهري". أطاعته وهي ترتجف، وما إن استقرت فوقه حتى انطلق بسرعة البرق، ثم بدأ يرتفع في الهواء شيئاً فشيئاً حتى صار يحلق بها في جوف السماء، بينما كانت هي تتشبث بفرائه بقوة خوفاً من السقوط.
أثناء الطيران، سألها الثعلب ليختبر مدى ارتفاعهما: "كيف تبدو لكِ الأرض من هنا؟".
قالت: "كأنها صينية كبيرة".
فصعد بها أعلى وسألها مجدداً، فقالت: "كأنها صحن واسع".
فارتفع أكثر حتى تلاشت المعالم، وسألها، فأجابت: "مثل طبق صغير".
عندئذ، بدأ الثعلب يهبط تدريجياً حتى استقر أمام قصر عظيم تتضاءل أمامه قصور ملوك البشر؛ جدرانه مكسوة بالديباج الفاخر، وأبوابه مرصعة بخيوط الذهب الخالص، وينبعث من ردهاته عبير المسك والكافور الفواح. أنزلها الثعلب عند المدخل ثم اختفى عن الأنظار فجأة.
تجولت روان في رعب ممزوج بالذهول، ورأت من النوافذ فناءً ساحراً تتوسطه بركة ماء تتلألأ فيها الأسماك، وتحيط بها أشجار مزهرة وطيور ملونة تنشد بأعذب الألحان. وعندما حل المساء، دخلت مخدعها فجاءتها خادمة صامتة كالأشباح، قدمت لها عشاءً فاخراً يعقبه فنجان من القهوة العطرية. وما إن رشفته روان حتى سرى النوم في جسدها وغطت في سبات عميق.
النوايا الخبيثة والسر المرعب
توالت الأيام، وروان تعيش في هذا القصر كالأميرات، يغدق عليها الثعلب أفخم الثياب، وأشهى المأكولات، وأدوات الزينة. كانت تتساءل دائماً عن سبب هذا الدلال وعن هوية سيد القصر، وكان الثعلب يجيبها بصوت مبحوح مكتوم: "سيدي جميل الوجه كالبدر ليلة تمامه، وسيعجبكِ حين تلتقين به.. وفي ليلة اكتمال القمر القادمة، سيعود ليتزوجكِ، فكوني في أبهى هيئة".
لكن روان لاحظت أموراً غريبة؛ فالقصر خالٍ تماماً من الحراس والبشر. ولمحت ذات يوم باباً سحرياً مخفياً في الجدران يلمع للحظة خاطفة عندما يمر الثعلب بجانبه ثم يختفي. كما لاحظت حركات الثعلب الغريبة وتودده إليها؛ فأدركت بفطنتها أن هذا الكائن ليس حيواناً، بل شخص واقع تحت تأثير سحر عظيم.
وفي صباح أحد الأيام، تزينت روان وتعطرت وجلست تنتظر الثعلب. وما إن ظهر يحمل الطعام، حتى بادرت بمداعبته والمسح على رأسه برقة، ودعته ليشاركها الأكل. تردد الثعلب ونظر إليها بحيرة، لكن سحر ابتسامتها جعله يستسلم وقال بصوت خافت: "حسناً.. لقمة واحدة فقط، وإلا أصابني العقاب". أطعمته اللقمة الأولى، ثم أتبعتها بالثانية والثالثة، حتى شبع تماماً وذاب الجليد بينهما.
نظر إليها الثعلب فجأة بعينين ملأهما الخوف وقال بصوت مرتجف: "يا روان.. أنتِ في خطر عظيم!".
صعقت الفتاة وسألته: "أي خطر؟!".
ففتح لها بئر الأسرار قائلاً: "بعد يومين، في ليلة اكتمال القمر، سيأتي سيدي 'ملك الجن' ليأخذكِ زوجة له. إنه يتحول كل شهر لشاب وسيم ليخدع الفتيات الإنسيات. هؤلاء الجن من سلالة قديمة تتغذى على لحوم البشر، وحين يتزوج الملك إنسية وينمو الجنين في بطنها.. تتحول الأم إلى طعام يتغذون عليه! لقد جلبتُ له كثيرات قبلكِ، كلما لعنت أم ابنتها اقتنصتها وجئت بها إلى هنا. وعندما اعترضتُ على ظلمه وعصيت أمره، مسخني وحولني إلى هذا الثعلب".
ثم أردف بمرارة: "أنا في الأصل الأمير 'سهير'، ولا بد لهذا الظلم أن ينتهي. القصر مغلق بسحر، ولا أحد يملك مفتاحه إلا الملك؛ فهو يرتدي سلسلة قديمة فيها قفل ومفتاح سحريان يفتحان البوابة الكبرى. خطتنا أن نسرق السلسلة. سأصنع لكِ شراباً من أعشاب مسكرة، قدميه له حتى ينام، وعليكِ بنزع السلسلة ثم مناداتي لنفرّ معاً".
مواجهة ليلة البدر والهروب الدامي
مرت الساعات ثقيلة كالجبال حتى حلت الليلة الموعودة، ليلة اكتمال القمر. انشق ضوء الفضة فوق النافذة، وسُمع نعاق الغربان في الحديقة. وفجأة، طُرق الباب رقيقاً، ودخل شاب ممشوق القوام، وسيم إلى حدٍ يخلب العقول، يفيض عذوبة وجمالاً كأمراء القصص. تقدم من روان مبتسماً، وألبسها قلادة ذهبية وأساور لامعة، واعداً إياها بجعلها ملكة وبإعادتها لأهلها متى تشاء.
كادت روان أن تقع في فخ وسامته وكلامه المعسول، لولا أن صدى تحذير الثعلب رنّ في أذنيها: "لا تثقي بما ترينه، فهؤلاء يتقنون الخداع". تمالكت الفتاة رباطة جأشها، وقدمت له كأساً تلو الآخر من الشراب المسكر. شرب الملك الإبريق بأكمله، ولكنه أبدى مقاومة خارقة للنعاس وظل يترنح دون أن يسقط.
خشيت روان أن ينكشف أمرها وتضيع فرصتها الوحيدة، فرفعت إبريق الفاكهة الثقيل بكل ما أوتيت من قوة، وهوت به على رأس الملك ضربة واحدة حاسمة. صرخ الملك صرخة زلزلت أركان القصر، وسقط على الأرض مضرجاً بدماء سوداء، وبدأ جسده الجميل يتشوه ويتحول إلى مسخ بشع ومخيف، كاشفاً عن صورته الحقيقية.
لم تتردد روان، بل انحنت بسرعة وانتزعت السلسلة السحرية من عنقه وصاحت: "أيها الثعلب، تعال بسرعة!". ظهر الثعلب من الظلال وقال بذعر: "لقد أصابه الغضب، وعلينا الخروج فوراً قبل أن يستيقظ ويطاردنا". ركضا كالمجانين في الردهات حتى وصلا البوابة، وضع الثعلب المفتاح في القفل، فانشق الجدار عن بوابة ضخمة انفتح من ورائها طريق الحرية.
غضب الملك الضائع وبداية المجهول
امتطت روان ظهر الثعلب مجدداً، وطارا في سماء الليل المظلمة والرياح تصفع وجهيهما. وأثناء الطيران، لاحظت روان أن الثعلب يحمل سرة ثقيلة، فسألته عنها، فأجاب: "هذا ياقوت وزمرد سرقتهما من خزائن الملك، فقد نحتاجهما في رحلتنا".
خافت روان وقالت: "الملك سيجن جنونه بالتأكيد".
رد الثعلب: "لن أُعيدكِ لبيت أبيكِ الآن، لأن الملك سيبحث عنكِ هناك أولاً، سنقصد قبيلة من الجن المسالمين تشبه طباعهم البشر لنطلب الحماية".
وعندما وصلا إلى قبيلة الجن المسالمين وقصّا الحكاية على ملكهم، اعتذر الأخير بأسف قاطِع: "لا يمكنني إيواؤكما، فوجودكما بيننا سيشعل حرباً مدمرة مع ملك الجن الظالم". فاضطر الهاربان للمبيت تحت شجرة ضخمة، يترقبان الصباح بقلوب وجلة ونفوس مثقلة بالخوف.
وفي القصر المهجور، استيقظ الملك الظالم بعد ساعات، وما إن وجد السلسلة مفقودة والكنوز مسروقة، حتى جُنّ جنونه وصار يضرب الأرض بقدميه ويصرخ بغيظ، بعدما أدرك أنه لن يستطيع فتح بوابته مجدداً. ضرب جبينه صائحاً: "الأمير سهير هو من دبر هذا! كان يجب أن أقتله لا أن أمسخه ثعلباً!".
أصدر الملك أوامره الفورية لجميع جواسيسه بالانتشار في قرى الجن والانس للقبض على الهاربين. ومع مرور الأيام وفشل الجواسيس، شعر الملك بضياع هيبته، وقرر أن يخرج بنفسه ليتعقب أثرهما وينتقم لعرشه المستباح.
وهنا ينتهي الجزء الأول من الحكاية، تاركاً روان والأمير سهير تحت ظلال الشجرة، يرقبون أفقاً ملبداً بغيوم الغضب والشرر القادم.
س: من هو الثعلب الأسود في قصة "كانت تظنه ثعلبًا"؟
ج: الثعلب الأسود هو في الحقيقة أمير من الجن يُدعى "الأمير سهير"، عاقبه ملك الجن الظالم ومسخه إلى هيئة ثعلب لأنه اعترض على بطشه وظلمه للبشر.
س: كيف استطاعت روان الهروب من قصر ملك الجن؟
ج: قامت روان بتقديم شراب أعشاب مسكر للملك ليلة اكتمال القمر، وعندما بدأ يترنح ضربته بإبريق ثقيل على رأسه، وسرقت السلسلة السحرية التي تحتوي على مفتاح البوابة الكبرى وهربت برفقة الثعلب.
"اضغط هنا للانتقال إلى قصة كانت تظنه ثعلباً - الجزء الثاني"
