في "مدينة فاس" العتيقة، حيث تتداخل الدروب كأنها متاهة من التاريخ، كان هناك دكان صغير جداً يقع خلف كومة من توابل الزعفران والزنجبيل. لم يكن يبيع البخور أو الكحل، بل كان صاحبه "السي جلال" يبيع شيئاً لا يُرى بالعين: "الأحلام المفقودة".
البضاعة النادرة
كان السي جلال يضع على رفوفه قوارير زجاجية فارغة تماماً في ظاهرها، لكنها كانت تغلي بحكايات وأمنيات تركها أصحابها خلفهم بسبب اليأس أو الانشغال بالدنيا. كان يقول: "الحلم لا يموت يا ولدي، هو فقط يضل طريقه عن صاحبه ويأتي إليّ لأرعاه".
دخلت عليه "مريم"، فتاة في مقتبل العمر، كانت عيناها باهتتين كأنها فقدت الشغف بكل شيء. قالت بصوت خفيض: "سمعت أنك تعيد للناس ما ضاع منهم.. لقد فقدت حلمي بأن أكون فنانة، ولم أعد أرى الألوان كما كنت".
المقايضة العادلة
ابتسم السي جلال وسحب قارورة مغطاة بمخمل أخضر. "هذا حلمك يا مريم، لقد وجدته يرتجف في زاوية مهجورة من ذاكرتك. لكن لأعطيكِ إياه، يجب أن تتعهدي بشيء واحد: أن تسقيه بالعمل كل يوم، فالحلم بلا سعي يصبح سراباً".
فتحت مريم القارورة، فخرج منها وهج ذهبي ملأ الدكان الصغير، وشعرت برعشة في أصابعها كأنها تمسك بفرشاة رسم لأول مرة. في تلك اللحظة، استعادت مريم بصرها الفني، وبدأت ترى ظلال الجدران وزخارف الأبواب وكأنها لوحات حية.
العبرة
رحلت مريم وهي تحمل شعلة من الحماس، بينما جلس السي جلال يراقبها من بعيد. كان يعلم أن دكانه سيظل مفتوحاً ما دام هناك بشر ينسون أن بداخلهم كنوزاً تحتاج فقط إلى من ينفض عنها الغبار.
