في قرية صغيرة على أطراف الجبال، كان "العم محمود" يعمل ساعياً للبريد لأكثر من أربعين عاماً. كان يعرف كل الأبواب، وكل القصص، وحتى نبرات أصوات السكان وهم يفتحون رسائلهم.
الحقيبة الثقيلة
بعد تقاعده، ظل محمود يحتفظ بحقيبة جلدية واحدة في منزله. لم تكن حقيبة فارغة، بل كانت تحتوي على "رسائل تائهة"؛ رسائل لم يجد أصحابها، أو عناوين لم تعد موجودة. كانت بالنسبة له أمانة لم تكتمل.
في أحد الأيام، وأثناء تنظيفه للحقيبة، وقعت عيناه على رسالة مغلفة بورق مائل للاصفرار، مكتوب عليها بخط يد مرتب: "إلى من يجدني.. أخبره أنني سامحت". لم يكن هناك اسم مرسل إليه، فقط رقم منزل قديم في حي "القصبة".
البحث عن الغفران
قرر محمود، رغم تعب قدميه، أن يوصل هذه الأمانة الأخيرة. ذهب إلى العنوان، فوجد منزلاً متهالكاً تسكنه امرأة عجوز تُدعى "للا فاطمة". عندما سلمها الرسالة، ارتجفت يداها.
فتحتها وقرأت كلماتها القليلة، ثم أجهشت بالبكاء. قالت لمحمود: "هذه الرسالة من أخي.. افترقنا منذ ثلاثين عاماً بسبب خلاف تافه على أرض، ومات وهو في غربته. كنت أظن أنه رحل وهو يحمل ضغينة ضدي، لكنك اليوم أعدت لي روحي".
الدرس المستفاد
أدرك محمود أن عمله لم ينتهِ بانتهاء وظيفته. الرسائل ليست مجرد ورق وحبر، بل هي جسور معلقة بين القلوب. أحياناً، تأخر الرسالة لا يعني ضياعها، بل يعني أنها ستصل في اللحظة التي يحتاجها صاحبها بشدة.
خرج محمود من منزلها وهو يشعر بخفة في قلبه، وكأن حقيبته التي حملها طوال عمره قد فرغت أخيراً من أثقل أحمالها.
