في قلب مدينة الصويرة، حيث تعانق أسوار القلعة القديمة أمواج الأطلسي الهائجة، كان "أمين" يدير متجراً صغيراً للأشياء القديمة (الأنتيكات). لم يكن متجره مجرد مكان لبيع النحاسيات أو السجاد البربري، بل كان متحفاً للذكريات المنسية.
ذات مساء خريفي، والضباب يزحف فوق "سكالة" المدينة، دخل رجل غريب الأطوار إلى المحل. كان يرتدي معطفاً طويلاً بالياً، وفي عينيه لمعة تشبه لمعان النجوم في ليلة صحراوية صافية. وضع الرجل صندوقاً خشبياً على الطاولة وقال بصوت خفيض: "هذه لا تقيس الدقائق، بل تقيس الندم."
قبل أن يستفسر أمين، كان الرجل قد اختفى وسط الزحام، تاركاً وراءه ساعة رملية غريبة. لم تكن رمالها صفراء، بل كانت فضية براقة، والزجاج الذي يحيط بها بدا وكأنه مصنوع من كريستال لم يره أمين من قبل.
بداية اللغز
بدافع الفضول، قلب أمين الساعة. في تلك اللحظة، لم تسقط الرمال إلى الأسفل كما هو معتاد، بل بدأت ترتفع للأعلى! فجأة، ساد صمت مطبق في المتجر. توقفت عقارب الساعة المعلقة على الحائط، وتجمدت حركة المارة الذين كان يراهم من النافذة.
شعر أمين ببرودة غريبة، ثم بدأت الجدران تتلاشى لتتحول إلى مشهد من الماضي. وجد نفسه يقف في نفس الزاوية، لكن قبل عشرين عاماً. رأى والده الراحل جالساً يصلح راديو قديماً، ورأى نفسه طفلاً صغيراً يلعب بقطع النحاس.
المواجهة مع الذات
أدرك أمين أن الساعة ليست مجرد أداة، بل هي بوابة زمنية مرتبطة بمشاعر صاحبها. كل حبة رمل فضية تمثل لحظة كان يتمنى المرء تغييرها. حاول أمين التحدث مع والده، لكن صوته لم يخرج. اكتشف أن القاعدة الوحيدة لهذا المكان هي: "يمكنك المشاهدة، لكن لا يمكنك اللمس."
أمضى أمين ما بدا وكأنه ساعات يراقب تفاصيل حياته التي نسيها: رائحة الشاي بالنعناع التي كانت تمسح تعب النهار، وضحكات الجيران في "درب لعلوي". لكن الرمال بدأت تنفد من القسم السفلي وتعود لمكانها الطبيعي.
العودة للواقع
بمجرد أن استقرت آخر حبة رمل في قاع الساعة، عاد كل شيء لمكانه. ضجيج المدينة عاد ليملأ المكان، والمارة استأنفوا سيرهم وكأن شيئاً لم يكن. نظر أمين إلى الساعة الرملية، فلم يجدها فضية، بل تحولت رمالها إلى اللون الرمادي الباهت، وكأنها فقدت سحرها بمجرد أن أدت مهمتها.
في تلك الليلة، لم يبع أمين الساعة. وضعها في ركن خاص، وكتب تحتها عبارة واحدة:
"الوقت لا يعود، لكن الذكريات هي الساعة التي لا تتوقف عن الدوران."
خاتمة المقال (للمتابعين)
هل سبق لك أن تمنيت امتلاك ساعة تعيدك للوراء لثوانٍ معدودة؟ ما هي اللحظة التي كنت ستختار زيارتها؟ شاركونا آراءكم في التعليقات أسفل المقال!
