في قلب مراكش القديمة، حيث يتسلل عطر الزعفران والورد إلى كل زاوية، ولدت فاطمة في بيت قديم يطل على ساحة جامع الفنا. كانت أمها تُدعى "زهرة"، وكانت تعمل في بيع التوابل في السوق، بينما أبوها "الحاج محمد" كان دليلاً سياحياً يروي للأجانب حكايات المدينة الحمراء كأنها أساطير.
منذ صغرها، كانت فاطمة مختلفة. لم تكن تحب اللعب مع البنات في الحارة، بل كانت تهرب إلى سطح البيت عند الغروب، تجلس هناك ساعات طويلة ترسم بالفحم على ألواح خشبية قديمة. كانت ترسم وجوه الناس الذين تمر بهم يومياً: عجوز يبيع النعناع، طفل يجري خلف حمار، سائحة أجنبية تحمل كاميرا بيد مرتجفة...
في ليلة من ليالي رمضان، عندما كانت فاطمة في السابعة عشرة، جاءتها جدتها العجوز "لالة عائشة" وقالت لها بصوت هادئ:
«يا بنيتي، الرسم موهبة... لكن الموهبة بدون قصة تموت. ابحثي عن قصتك أنتِ.»
لم تفهم فاطمة الكلام يومها، لكنها حفظته في قلبها.
مرت السنوات. توفي والدها فجأة، وباعت الأم الدكان الصغير لتسدد ديون الحج. أصبحت فاطمة تعمل خياطة في ورشة صغيرة في درب السلطان، لكنها لم تتوقف عن الرسم. كانت ترسم ليلاً، بعد أن ينام الجميع، بضوء شمعة رخيصة.
في أحد الأيام، جاء إلى الورشة رجل غريب. كان يدعى "كريم"، مصوراً فرنسياً من أصل مغربي، يعمل على مشروع عن "الذاكرة البصرية لمراكش". رأى لوحة صغيرة كانت فاطمة قد رسمتها على قطعة قماش قديمة وعلقتها على الحائط. كانت اللوحة تمثل يد امرأة عجوز تمسك حبات زعفران، والخلفية غروب الشمس فوق مآذن الكتبية.
سألها كريم بدهشة: «من رسم هذه؟»
قالت فاطمة بخجل: «أنا...»
من ذلك اليوم، بدأت حياتها تتغير ببطء.
أخذها كريم إلى معرض صغير في حي الڤيلاج، وعرض لوحاتها. لم تبع الكثير، لكن أحد النقاد الفرنسيين كتب عنها مقالة قصيرة بعنوان: «فاطمة بنت مراكش... صوت بصري جديد».
مع الوقت، أصبحت فاطمة معروفة في أوساط الفنانين المغاربة المستقلين. لكن الشهرة لم تُغيرها كثيراً. كانت لا تزال تعيش في البيت القديم نفسه، ولا تزال تذهب كل جمعة إلى ضريح سيدي عبد العزيز لتزور قبر والدها.
ذات ليلة شتوية باردة، وهي تعمل على لوحة كبيرة تمثل ساحة جامع الفنا في ليلة مطيرة، سمعت طرقاً خفيفاً على الباب. فتحت، فوجدت طفلة صغيرة في التاسعة تقريباً، مبللة بالمطر، ترتجف.
«من أنتِ؟» سألت فاطمة.
«أنا صفاء... أمي مريضة، وأبي في السجن. قالوا لي إنكِ ترسمين وتعطين فلوس... أريد أن أتعلم الرسم عشان أساعد أمي.»
نظرت فاطمة إلى عيني الطفلة، فرأت فيها شيئاً يشبهها هي قبل عشرين سنة. أدخلتها، جففتها، وأعطتها كوب شاي بالنعناع.
من تلك الليلة، بدأت فاطمة تدرّس الرسم للأطفال الفقراء في الحي مجاناً. سمّت المشروع «ظلال الزعفران»، لأن الزعفران ينمو في أصعب التربة، ويُعطي أجمل لون وأغلى ثمن.
مرت ثلاث سنوات.
أصبح لدى فاطمة ورشة صغيرة في المدينة القديمة، تُعلّم فيها أكثر من خمسين طفلاً وطفلة كل أسبوع. بعض لوحات تلاميذها بيعت في معارض بباريس ودبي. أما هي، فقد أقامت أول معرض فردي كبير لها في مراكش بعنوان «وجوه لم تُروَ».
في ليلة افتتاح المعرض، وقفت فاطمة أمام لوحة كبيرة جداً. كانت تمثل يد طفلة صغيرة تمسك قلم رصاص، والخلفية هي ساحة جامع الفنا مليئة بالناس والأضواء والحياة.
اقترب منها كريم (الذي أصبح صديقاً قديماً) وسألها:
«ما اسم هذه اللوحة؟»
ابتسمت فاطمة ابتسامة هادئة وقالت:
«اسمها... قصتي.»
ثم نظرت إلى صفاء، التي أصبحت الآن فتاة في الثانية عشرة وأفضل تلميذاتها، وهي تقف بجانبها بفخر، وقالت بصوت منخفض:
«وليست قصتي وحدي.»
ما رأيك في قصة فاطمة؟
هل سبق لك أن حوّلت موهبتك أو حلمك إلى شيء يفيد الآخرين؟ شاركنا تجربتك في التعليقات أدناه ♥
