قصة تشي جيفارا: الطبيب الثائر الذي غير وجه التاريخ اللاتيني.

 


تشي جيفارا: الطبيب الذي ترك المِبضع ليحمل البندقية.. رحلة الثائر الأبدي

في الثالث من نوفمبر عام 1966، هبطت طائرة في مطار "لاباز" ببوليفيا تحمل على متنها رجلاً هادئاً، أصلع الرأس، يرتدي نظارات طبية سميكة ويحمل جواز سفر أوروغويانيًا مزوراً. لم يكن هذا الرجل سوى إرنستو تشي جيفارا، الوجه الأكثر شهرة في تاريخ الثورات العالمية، الذي دخل بوليفيا متنكراً ليصنع ثورة تقلب موازين القوى في أمريكا اللاتينية.


1. من أرستقراطية الأرجنتين إلى أزقة الفقراء

ولد إرنستو جيفارا عام 1928 في مدينة "روزاريو" بالأرجنتين لعائلة ميسورة الحال. ورغم نشأته في بيئة مستقرة، إلا أنه عانى طوال حياته من مرض الربو المزمن الذي جعل التنفس معركة يومية بالنسبة له.

دخل جيفارا كلية الطب عام 1948، لكن فضوله دفعه للقيام برحلتين غيرتا مجرى حياته:

الرحلة الأولى: كانت عبر الأرجنتين على دراجة هوائية، حيث احتك لأول مرة بحياة الفلاحين المهمشين.
الرحلة الثانية: رحلة برية كبرى برفقة صديقه "ألبرتو غرانادو" على دراجة نارية سمياها "الجبارة".

خلال هذه الرحلة، تبلورت رؤية جيفارا السياسية؛ حيث رأى عمال المناجم في تشيلي يكدحون مقابل أجور زهيدة بينما تنهب الشركات الأجنبية الملايين. تخرج طبيباً عام 1953، لكنه عاد محملاً بقناعة أن "الظلم والاستغلال" هو الهم المشترك لكل سكان القارة.


2. غواتيمالا ولقاء "كاسترو" في المكسيك

في أوائل الخمسينيات، توجه جيفارا إلى غواتيمالا، حيث شهد كيف قامت الولايات المتحدة بتدبير انقلاب عسكري لإسقاط الرئيس "أربينز" حماية لمصالح شركة "الفواكه المتحدة". في تلك اللحظة، ولد الثائر الحاقد على الرأسمالية الاستغلالية.

انتقل جيفارا إلى المكسيك عام 1954، حيث التقى بالشاب الكوبي راؤول كاسترو ومن ثم شقيقه فيدل كاسترو. انبهر جيفارا بخططهم للقيام بثورة مسلحة في كوبا ضد الدكتاتور "باتيستا". وهناك أطلقوا عليه لقب "تشي" وبدأ التدريب العسكري المكثف معهم.


3. المعجزة الكوبية والسلطة

في ديسمبر 1956، انطلق جيفارا مع الأخوين كاسترو و80 مقاتلاً نحو كوبا. فشلت الخطوة الأولى وقتل معظم المقاتلين، لكن الناجين اعتصموا بالجبال. ببراعته في حرب العصابات ودعم الفلاحين، سقط نظام باتيستا ودخل الثوار هافانا منتصرين في عام 1959.

أصبح جيفارا الرجل الثاني في كوبا، وتولى مناصب وزارية وجاب العالم كسفير للثورة. لكن حلمه بتحرير شعوب العالم من الهيمنة أدى لظهور خلافات مع كاسترو، فقرر جيفارا الاستقالة من كافة مناصبه واختفى عن الأنظار عام 1965.


4. من الكونغو إلى بوليفيا: النهاية المأساوية

توجه جيفارا أولاً إلى الكونغو في أفريقيا ليقود ثورة، لكن التجربة انتهت بفشل ذريع. عاد سراً إلى أمريكا اللاتينية، واختار بوليفيا لتكون ساحته الأخيرة في عام 1966.

في بوليفيا، واجه جيفارا ظروفاً كارثية؛ فالفلاحون الذين جاء ليقاتل من أجلهم كانوا هم من يبلغون الجيش عن مكانه. اشتد عليه الربو، ونفدت أدويته وطعامه. في 8 أكتوبر 1967، حوصر جيفارا في وادي "لاهيغيرا" واقتيد أسيراً.

وفي اليوم التالي، صدرت أوامر الإعدام. دخل عليه جندي متردد، فقال له جيفارا كلماته الأخيرة:

"أطلق النار يا جبان، أنت لن تقتل سوى رجل".

قُتل جيفارا بتسع طلقات وهو في التاسعة والثلاثين من عمره.


الخاتمة: الرمز الذي لا يموت

رغم فشل أفكاره الاشتراكية في كثير من بقاع الأرض، إلا أن صورة جيفارا ظلت محفورة في كل مكان: على القمصان، الجدران، وفي قلوب الثائرين. يبقى جيفارا ملهماً ليس لنجاح ثوراته بالضرورة، بل لصدقه المطلق وتمسكه بفكرته حتى الرمق الأخير.


هل أعجبك المقال؟ شاركنا برأيك في التعليقات حول إرث تشي جيفارا المثير للجدل!

تعليقات