قصة شمس الدين والسمكة العجيبة: سر الحكمة والأميرة ياسمينة

 


في غابر الأزمان، وبداخل مملكة نائية يلفّها الغموض، بدأت حكاية عجيبة غيّرت مجرى التاريخ. في أحد الأيام، ولجت قصر السلطان امرأة عجوز غريبة الأطوار، لم يدرِ أحد من الحاضرين إن كانت ساحرة من ساحرات الإنس أم جنية متخفية في زيّ البشر. تقدمت العجوز نحو عرش السلطان، وانحنت تبثّه شكواها قائلة إنها امرأة فقيرة تكسب قوت يومها بضرب الرمل والنظر في النجوم، غير أن عامة الناس اتهموها بالدجل والشعوذة وأمعنوا في ضربها وإيذائها. حركت كلماتها الشاكية شفقة السلطان وغضبه، فأمر مناديه أن يجوب الأسواق محذراً الجميع من التعرض لها بسوء.

ولم تمضِ أيام كثيرة حتى عادت العجوز إلى القصر تطلب مقابلة السلطان. وعندما أُدخلت عليه، قالت بامتنان: "لقد جئتك يا مولاي بهدية مكافأة على معروفك معي". ابتسم السلطان ساخراً وسألها إن كان السلاطين بحاجة إلى هدايا، فأجابت بثقة وثبات: "إن ما سأقدمه لك سيجعلك أكبر سلاطين الأرض وأكثرهم حكمة". أخرجت العجوز من سلة من سعف النخيل سمكة كبيرة ذات مظهر غريب، وهمست في أذن السلطان بوصية حاسمة: "أوصيك بطبخها بنفسك، فلا يجب أن يأكل منها غيرك، وإلا قاسموك الحكمة والمعرفة التي ستمنحها لك، واعلم أنك إن نسيت وصيتي ستندم".


خيانة الخادم "شمس الدين" وانكشاف السر

رحلت العجوز، وبقي السلطان يحدق في السمكة بقلب تملؤه الشكوك. لم يصدق خرافاتها، لكنه أراد مجاملتها وتجنب الطبخ بنفسه. نادى على خادمه الأمين المقرب، فتى يتيم يدعى "شمس الدين"، وسلمه السمكة آمراً إياه بطهيها، ومحذراً إياه من تذوقها أو الأكل منها وإلا سيكون جزاؤه قطع الرأس.

أخذ شمس الدين السمكة إلى المطبخ وهو يستغرب تفضيل السلطان له على طباخي القصر المهرة. وحين بدأ بتنظيفها، لاحظ حجمها الهائل وملمسها المغاير لكل الأسماك التي رآها في حياته. وما إن وضعها في المقلاة حتى فاحت منها رائحة زكية غمرت المكان وأسرت حواسه. لم يقو الخادم على المقاومة، فمد يده مدفوعاً بفضوله وتذوق قطعة صغيرة منها.

في تلك اللحظة، شعر شمس الدين بوشوشة غريبة تتخلل أذنيه. فجأة، سمع صوتاً خافتاً بجانبه يقول: "ما أطيب تلك الرائحة! لا بد أن أغافل الخادم وأذوق من هذه السمكة". التفت الخادم بذعر فلم يجد حوله سوى قطة القصر تموء. ظن في البداية أنه يتوهم، لكنه أدرك بسرعة الصاعقة أنه بات يفهم لغة الحيوانات. أخفى أثر تذوقه بإضافة البهارات والدقيق، وقدم السمكة الشهية للسلطان الذي أكل منها حتى شبع.

بعد الغداء، طلب السلطان من شمس الدين إعداد حصانين للخروج في نزهة إلى الغابة. وهناك، بينما كانا يسيران وسط الطبيعة، التفت حصان الخادم إلى حصان السلطان متبادلاً معه الحديث. قال حصان الخادم إنه يشعر بنشاط كبير، فأجابه حصان السلطان متأففاً: "معك حق، لكن الرجل الذي يركبني تعود على الراحة والنوم، ولو ركضت به لوقع على الأرض وتحطمت عظامه". لم يتمكن شمس الدين من كبح نفسه فضحك بصوت عالٍ. استشاط السلطان غضباً وسأله عن سبب ضحكه، فادعى الخادم أنه تذكر شيئاً قديماً. غير أن الشكوك بدأت تأكل قلب السلطان، وتذكر وصية العجوز وجزم بأن خادمه قد أكل من السمكة السحرية.

عادوا إلى القصر، وطلب السلطان من شمس الدين أن يقف بجانبه حاملاً كوباً من الماء أثناء تناوله العشاء. وفي تلك الأثناء، حلّق عصفوران ودخلا المجلس. كان أحدهما يحمل منقاره شعرة ذهبية تتلألأ، وقال للآخر: "لقد جلبت هذه الشعرة من الأميرة صاحبه الشعر الذهبي". حاول العصفور الآخر خطفها، فسقطت الشعرة على الأرض واحدثت رنيناً قوياً كأنه رنين قطعة من الذهب الخالص. فزع شمس الدين من هول ما سمع وسقط كوب الماء من يده وتحطم. صرخ السلطان منتصراً: "لقد سقط الكوب لأنك فهمت ما قالته العصافير! لا يمكنك الإنكار، لقد أكلت من السمكة!".

جثا شمس الدين على ركبتيه يستعطف سيده، فرفع السلطان سيفه ليضرب عنقه. لكن نظرة السلطان وقعت على الشعرة الذهب الساحرة الملقاة على الأرض، فبهر بجمالها الأخاذ. غيّر السلطان رأيه وقال للخادم: "إن وجدت صاحبة هذه الشعرة وأحضرتها لي عفوت عنك. خذ ما تحتاجه من مال وزاد، ولا تَعُد إليّ إلا وهي معك، وإلا قطعت رأسك وعلّقته على باب القصر".


رحلة المخاطر والوفاء الثلاثي

ركب شمس الدين حصانه وسار في الفيافي والقفار لعدة أيام دون وجهة محددة، شاعراً بالندم الشديد على طمعه الذي قاده إلى الهلاك المحتوم. وفي إحدى الليالي الظلماء، مرّ بموقد نار تركه بعض الصيادين، فأتت ريح قوية ونقلت شرارة من الموقد إلى شجرة مجاورة فأشعلتها. سمع شمس الدين صراخاً حاداً وضجة تحت الشجرة، واكتشف بفضل قدرته الجديدة أنها مستعمرة للنمل تحاصرها النيران، والنمل يتراكض مذعوراً لإنقاذ اليرقات الصغيرة. ترجل الخادم مسرعاً، وأخذ يبعد الأغصان المشتعلة ويرمي التراب بيمينه حتى أخمد الحريق تماماً. تقدمت منه ملكة النمل وقالت بامتنان: "لن تندم أبداً على معروفك معنا".

تابع شمس الدين طريقه حتى وصل إلى شاطئ بحر هائج، حيث التقى بثلاثة من الصيادين في مركبهم. سألوه عن حاله، فأخبرهم بأنه يبحث عن الأميرة صاحبة الشعر الذهبي. تبادل الصيادون الأشرار نظرات مريبة ودعوه للركوب معهم ليدلوه على مكانها. وما إن توسطوا عرض البحر حتى غدروه وضبوه على رأسه وسرقوا ماله ثم ألقوا به في المياه ليموت غرقاً. صارع شمس الدين الأمواج حتى دفع القدر إليه بلوح خشبي، فتعلق به واستجمع قواه حتى قذفه الموج إلى الشاطئ مجدداً، ليرتمي على الرمال وحيداً مكسوراً لا يدري ماذا يصنع.

بينما هو مستلقٍ يسترجع أنفاسه، سمع أصوات عراك حاد في السماء. نظر إلى الأعلى فرأى نسرين يتصارعان بشراسة، حتى انقض أحدهما على الآخر وهوى به إلى الأرض مصاباً بجروح بالغة. ركض شمس الدين نحو النسر الجريح، فطلب منه الطائر بلغة يفهمها الخادم أن يقطف بعض الأعشاب البرية من منحدر قريب. أسرع الفتى وأحضر النباتات العجيبة وعصر عصارتها في فم النسر. وفي لمحة عين، التأمت جروح النسر واستعاد عافيته.

قص شمس الدين حكايته على النسر، فقال له الطائر مواسياً: "لا تقلق، لقد كذب عليك الصيادون؛ فالاميرة لا تسكن البحر، بل تقيم في مملكة عظيمة فوق الجبل الفضي، وهو على مسيرة يومين من هنا. لكن الوصول إليه محفوف بالمخاطر، إذ تحيط به غابة تسكنها حشرات ضخمة ومفترسة، وسأحلق فوقك لأرشدك إلى طريق آمن". حزم شمس الدين أمتعته، وأخذ معه ما تبقى من الأعشاب السحرية لعلها تنفعه. وبمساعدة النسر، اجتاز الغابة المخيفة ووصل إلى سفح الجبل الفضي بسلام.


شرط الزمرد واللقاء العاطفي

صعد شمس الدين إلى قمة الجبل حيث القصر ذو الأبواب الفضية، ودخل على سلطان تلك البلاد طالباً خطبة ابنته ياسمينة، الأميرة صاحبة الشعر الذهبي، لسيده السلطان. تعجب السلطان من وصول الفتى حياً، وأخبره بأن كل من تقدم لخطبة ابنته قبله كان مصيره الموت التهاماً على أيدي الحشرات الضخمة. ثم وضع شرطاً تعجيزياً واحداً: "عليك أن تبحث في الغابة الموحشة عن مئة زمرده نادرة، وثقبها وصنع عقد لائق بالأميرة، وسأمهلك ثلاثة أيام فقط".

خرج شمس الدين إلى الغابة وقد تملكه اليأس. بحث طوال اليوم الأول دون جدوى ومع غروب الشمس، بينما كان يهم بالعودة، سمع صوتاً مألوفاً يناديه: "ألسنت أنت الفتى الذي أنقذنا من الحريق؟". التفت فإذا هي ملكة النمل في موكبها. روى لها الخادم شرط الملك، فقالت له بثقة: "استرح أنت، فلدي الكثير من الأقارب هنا وسنجهز لك العقد خلال يومين". انتشرت جحافل النمل التي لا تُحصى في أرجاء الغابة، يجمعون الزمرد ويسلمونه للعاملات اللواتي ثقبنه بدقة متناهية. وفي الموعد المحدد، كان العقد جاهزاً يفوق الوصف جمالاً.

حمل شمس الدين العقد الفاخر إلى السلطان، فلم يصدق عيناه وأقر بأن الفتى يملك قدرات مدهشة لا يملكها إنس ولا جن. وفي المساء، أقيمت مأدبة كبرى، ودخلت الأميرة ياسمينة يحيط بها بهاؤها وشعرها الذهبي الذي يخطف الأبصار. سُحر شمس الدين بحسنها، وبادلته الأميرة الإعجاب لِما رأته فيه من وسامة وذكاء وظرف.

وفي الصباح التالي، انطلق الموكب متوجهاً إلى مملكة شمس الدين. وفي الطريق، فتح الخادم قلبه للياسمينة وقص عليها قصته كاملة منذ يتمه حتى غدر الصيادين، وأراها النبتة السحرية. فقالت له بحب: "لماذا لا تأتي وتعيش في بلادنا ونتزوج؟" فأنزل رأسه قائلاً: "لكني لست سوى خادم يا سيدتي". فنظرت إليه بعاطفة وقالت كلمات خلدها التاريخ: "الرجال بأفعالهم وليس بمناصبهم.. واعلم يا شمس الدين أنني لن أحب سواك، وحتى إن تزوجت السلطان، فقلبي سيظل معك دائماً".


نهاية الطاغية والسر المكتوم

عند وصول الموكب، استقبل السلطان الأميرة بياسمينة وانبهر بحسنها، لكن الأميرة كرهته فور رؤيته، فقد كان رجلاً بديناً لا يشغله سوى الطعام والشراب، فأغلقت على نفسها باب غرفتها وامتنعت عن الزاد. وفي غمرة حسده لوسامة شمس الدين وخوفه من أن تسلب الأميرة لبه، أمر السلطان خادمه بالذهاب لجلب البرتقال من الحديقة، وأوعز لأحد حراسه بتتبعه والتخلص منه.

وما إن وصل شمس الدين إلى الحديقة، حتى طعنه الحارس الغادر في ظهره وسقط صريعاً. رأت الأميرة المشهد من شرفتها، فصرخت وهرعت إلى الحديقة بعد أن غادر الحارس. أخرجت الأميرة على عجل أوراق النبتة السحرية التي تركها معها وعصرتها بالكامل في فم شمس الدين الجريح. فتح الفتى عينيه فجأة، والتأم جرحه كأن لم يمسه سوء، بل وزاد وسامة ونضارة.

حاول الاثنان الهرب، لكنهما فوجئا بالسلطان وحرسه يقفون عند البوابة. ذهل السلطان برؤية الخادم حياً وأكثر شباباً، وصرخ بالأميرة: "أنت ساحرة! أريد تلك الأعشاب التي في يدك لتجعلني شاباً ووسيماً مثله!". أخبرته بيأس أنها عُصرت بالكامل ولم يبقَ منها شيء، فلم يصدقها وظنها تكذب. أمر السلطان أحد حراسه بطعنه بالسيف فوراً على أمل أن يسقوه من بقايا العشبة ليعود شاباً. طعنه الحارس فسقط الطاغية أرضاً، ولما فتشوا الأعشاب لم يجدوا فيها قطرة واحدة، فمات السلطان جراء حماقته وطمعه في الحال.

ارتعب الحراس وهمّوا بالهجوم على شمس الدين ظانين أنه السبب. وفجأة، ركضت جارية عجوز من قصر السلطان تصرخ بأعلى صوتها: "توقفوا! لا تلمسوه! فإن شمس الدين هو الأخ الأصغر للسلطان الراحل! لقد رزق به أبوه الملك القديم مني وأخفى أمره عن العامة، وانظروا إلى ذراعه ففيه شامة مطابقة تماماً لشامة السلطان!". كشف شمس الدين عن ذراعه ليرى الجميع صدق قولها، وبما أن السلطان لم يترك وريثاً خلفه، انحنى الحرس والوزراء تباعاً وهتفوا بصوت واحد زلزل أركان القصر: "يحيى السلطان شمس الدين!".

وبعد أيام قلائل من العزل والحداد، أقيمت الأفراح وتزوج السلطان شمس الدين من حبيبته الأميرة ياسمينة صاحبة الشعر الذهبي. غدا شمس الدين من أعدل سلاطين الأرض وأكثرهم حكمة بفضل السمكة والدروس التي تعلمها في رحلته، وعاش الزوجان في رخاء ونعيم، ورزقا ببنين وبنات، لتبقى قصتهما عبرة تتناقلها الأجيال في أن كنز الرحمة والوفاء لا يضيع أبداً.

تعليقات