فصل الظلم: البذرة التي صنعت الوحش
لم تبدأ حياة محمد مصطفى ثابت، المعروف بـ "الحاج ثابت"، كمجرم، بل بدأت كمعلم بسيط في مدينة بني ملال ينحدر من أسرة محافظة. لكن نقطة التحول الجذري في شخصيته كانت بسبب تجربة مريرة مع "الشطط في استعمال السلطة". ففي تلك الفترة، تعرضت زوجته للتحرش والمضايقات من قبل "كوميسير" نافذ في المدينة.
عندما حاول ثابت الدفاع عن شرفه واللجوء إلى القانون عبر "القائد"، انقلبت الآية ضده؛ فبدلاً من إنصافه، استغل الكوميسير نفوذه ليتم اعتقال ثابت وسجنه ظلماً. خرج ثابت من السجن بإنسان جديد، حيث تولدت لديه قناعة بأن السلطة هي الدرع الوحيد في مجتمع "السيبة"، فقرر أن يصبح جزءاً من جهاز الأمن ليس لخدمة الناس، بل ليمتلك القوة التي تحميه وتمنحه النفوذ.
الصعود إلى النفوذ: قناع "رجل الأخلاق"
نجح ثابت في الانخراط في سلك الأمن وتدرج في الرتب بسرعة بفضل ذكائه، حتى أصبح "ضابطاً ممتازاً" (كوميسير) ورئيساً لفرقة "الأخلاق العامة" في الدار البيضاء. كان هذا المنصب الحساس هو الغطاء المثالي لممارسة أبشع أنواع الاستغلال، حيث كان الناس ينظرون إليه برهبة واحترام كشخصية وازنة ومسموعة الكلمة.
آلية الاستدراج والخداع
استخدم الحاج ثابت "سيكولوجية الصياد" في الإيقاع بضحاياه، مستهدفاً الفئات الهشة والمحتاجة:
استغلال الحاجة: كان يتقرب من النساء اللواتي لديهن مشاكل إدارية أو يبحثن عن وظائف في سلك الأمن، موهماً إياهن بقدرته على حل مشاكلهن.
القناع الاجتماعي: كان يظهر بمظهر "الحاج" الطيب والورع، حيث حج أكثر من أربع مرات، مما جعل الضحايا يثقن به بسهولة.
المصيدة التقنية: كان يستدرج الضحايا إلى شقته في حي "عين الذئاب" بالدار البيضاء، وهي شقة لم تكن للسكن، بل كانت "استوديو" تصوير سري مجهز بأحدث الكاميرات في كل زاوية، بما في ذلك المطبخ والحمام.
السقوط الكبير: خيط من إيطاليا وزلزال في القصر
رغم محاولات التستر عليه في البداية، حيث تم نفي الضابط "مغنية" الذي حاول فتح الملف أول مرة إلى الصحراء بسبب نفوذ ثابت، إلا أن النهاية جاءت من الخارج.
الفضيحة الدولية: اكتشف مهاجر مغربي في إيطاليا (يحمل الجنسية الإيطالية) شريطاً يباع هناك يظهر فيه أخته وهي تتعرض للاستغلال من قبل الكوميسير.
التدخل الدبلوماسي: لجا المهاجر إلى القنصل الإيطالي، الذي أوصل القضية إلى "الفيلالي"، ومن ثم مباشرة إلى الملك الراحل الحسن الثاني.
قرار الملك: عندما علم الملك بحجم الجرائم واستغلال السلطة لتشويه كرامة المواطنات، أعطى أوامره الصارمة بالتدخل الفوري، لتسقط الحماية عن الكوميسير النافذ.
الأدلة الصادمة والنهاية المأساوية
عند مداهمة الشقة، صُعق المحققون بحجم الأرشيف الإجرامي الذي وثقه ثابت بنفسه:
أرشيف الرذيلة: تم العثور على 32 كاسيت وتوثيقات لأكثر من 500 ضحية.
الخزنة الغامضة: وُجدت "خزنة حديدية" (Coffre-fort) قيل إن محتواها كان من الخطورة والحساسية بحيث لم يُكشف عنه للعلن أبداً.
اعتراف متأخر: خلال المحاكمة، صرح ثابت بأن السلطة هي من صنعت منه وحشاً، وأنه لو لم يتم القبض عليه لكان قد تمادى في إجرامه أكثر.
الإعدام الأخير
في سبتمبر 1993، وفي سجن القنيطرة، نُفذ حكم الإعدام في محمد مصطفى ثابت رمياً بالرصاص. كان هذا الحكم بمثابة رسالة سياسية وقضائية قوية، ومنذ ذلك التاريخ، توقف المغرب عن تنفيذ أحكام الإعدام، لتظل قصة "الحاج ثابت" درساً أليماً في تاريخ السلطة والقانون في المغرب.
