في قلب "وادي النسيم"، حيث تتمايل حقول القمح كبساط ذهبي تحت شمس الأصيل، عاش فلاح بسيط يُدعى مسعود. كان مسعود رجلاً وحيداً اتخذ من أرضه عائلة ومن حيواناته مؤنساً، واشتهر بقلب رحيم يطعم طيور السماء قبل أن يطعم نفسه.
ليلة الميلاد السحري
تبدلت حياة مسعود في ليلة شتوية عاصفة، حين ضرب البرق قمة "الجبل الأسود"، مسبباً انهياراً صخرياً كشف عن سر دفين. في الصباح التالي، وجد مسعود بين الركام صخرة بيضاوية سوداء، تتخللها عروق حمراء تتوهج بدافئ الجمر، وينبعث منها نبض حياة خفي. حملها الفلاح بحرص ولفها بعباءته، ووضعها وسط القش الدافئ في حظيرته بجوار ثوره العجوز "مبروك". ومع بزوغ الفجر، انشقت البيضة ليخرج منها كائن لم تره العيون إلا في الأساطير؛ تنين صغير بحراشف زمردية وعيون ذهبية واسعة ينفث دخاناً رقيقاً.
السر الدفين في الحظيرة
تلاشت مخاوف مسعود حين رأى الصغير يتلمس الدفء عند ساقه كقطة جائعة، فأطلق عليه اسم "لهيب". كبر التنين بسرعة مذهلة؛ ففي غضون أشهر أصبح بحجم العجل، مما دفع مسعود لبناء جدار إضافي لإخفائه عن أعين الفضوليين، وخاصة العمدة "جابر". نشأت بينهما رابطة عميقة تتجاوز صلة الإنسان بالحيوان، حيث صار لهيب رفيق مسعود في وحدته، يفهم كلماته ويميز وقعه من بين سائر البشر.
نذر الحرب والجيش الأخضر
لكن السكينة لم تدم، فقد بدأت أخبار مرعبة تصل للقرية عن زحف جيش من "الغيلان" المتوحشة التي تحرق الأخضر واليابس. وبينما استعد أهل القرية للهرب واليأس يتملكهم، دخل مسعود حظيرته ونظر في عيني لهيب وقال: "اليوم أهلي وجيراني في خطر، فهل ستحمي من حماك؟". زفر التنين دخاناً كثيفاً وفرد جناحيه الهائلين محطماً أخشاب الحظيرة، معلناً استعداده للمعركة.
ملحمة اللهيب الأزرق
مع غروب الشمس، وصل مئات الغيلان بجلودهم الخضراء وأنيابهم البارزة، وبدأوا في إضرام النار في أطراف القرية. وفجأة، تحطم سقف حظيرة مسعود، وخرج منها ظل عملاق حجب ضوء القمر. حلق "لهيب" في السماء، وأطلق سيلاً من النيران السحرية الزرقاء التي صهرت سيوف الأعداء، ورسم خطاً نارياً فاصلاً حمى بيوت القرويين.
أدرك قائد الغيلان الجبار "خرمباش" أن نقطة ضعف التنين هي صاحبه، فأمر رجاله بالهجوم على مسعود الأعزل. هبط لهيب من السماء كنيزك، مغطياً صديقه بجناحه الأيسر ليحميه من فأس القائد، مما أدى لإصابته بجرح غائر وسيلان دمه الذهبي. استشاط التنين غضباً، وتحولت عيناه إلى الأحمر القاني، وأطلق حمماً بركانية من فمه بخرت قائد الغيلان في لحظة، مما دفع بقية الجيش للفرار برعب.
فجر وادي التنين
انتهت المعركة، وتحول خوف القرويين إلى امتنان ورهبة. تقدم العمدة "جابر" معتذراً لمسعود، واعتبر التنين بطلاً للقرية. وبسبب حجمه الضخم، اتخذ "لهيب" من قمة الجبل الأسود مسكناً له ليظل حارساً للوادي، بينما استمر مسعود في زيارته كل أسبوع حاملاً له الطعام والمودة. ومنذ ذلك الحين، صار يُطلق على المكان اسم "وادي التنين"، وعاش الجميع في أمان بفضل رحمة فلاح بسيط حولت وحشاً أسطورياً إلى حارس أمين.
