قصة متى يكون الدرهم اكثر من الدرهمين؟ قصة وعبرة رائعة

 


الفصل الأول: وصية في الغسق

في زمن غابر، حيث كانت البيوت تُبنى بالحب والمواثيق قبل الحجر، عاش تاجر ثري في مدينة صاخبة بالحياة. كان هذا التاجر يملك من الجاه والمال ما يجعله مهاباً بين أقرانه، لكن قلبه لم يكن معلقاً بالذهب، بل بولد وحيد رزقه الله به على كبر، وأسماه "عبد الرحمن".

كان الشيخ الوقور يرى في ولده امتداداً لاسمه وروحه، فلم يبخل عليه بأدب أو علم. وكان دائماً ما يجلس معه في شرفة دارهما الواسعة المطلة على حديقة غناء، يراقبان غروب الشمس، فيهمس في أذن الشاب بكلمات صقلتها التجارب:

"يا بني، اعلم أن المال ظل زائل، والجاه عارية مستردة. إن هذا الدهر لا يؤتمن بوائقه، فإذا أضحكك اليوم ب إقباله، فربما يبكيك غداً بإدباره."

مرت الأيام، ودارت عجلة الزمن، حتى شبّ عبد الرحمن وأصبح شاباً يافعاً، يملأ العين وسامة وهيبة. وحين آن أوان زواجه، واستقر رأي الأسرة على أن يبحث الشاب عن شريكة حياته، دعاه والده إلى غرفته الخاصة. كان الجو مهيباً، ونور شمعة يتراقص على الجدران، عندما قال الأب بصوت هادئ عميق يحمل وقار السنين:

"يا بني، إن بناء البيوت جهاد، ولا تسلم سفينة الحياة إلا بقائدين حكيمين. عندما تنوي الزواج من امرأة، وتجلس معها ليلة الزفاف، اسألها سؤالاً واحداً واختبر به عقلها. قل لها: متى يكون الدرهم أكثر من الدرهمين؟ فإن لم تعرف الإجابة، فطلقها ولا تتردد، واعلم يا بني أن هذه الإجابة لن تهتدي إليها إلا زوجة وفية، مؤمنة، عاقلة."

استمع عبد الرحمن لوصية أبيه بكثير من الإجلال. ووفاءً لهذا العهد، خطب فتاة من بنات الجيران، كانت معروفة بحسنها وهدوئها. ودخل بها، وفي ليلة الزفاف، طرأ على ذهنه سؤال أبيه، فالتفت إليها وسألها: "يا زوجتي، متى يكون الدرهم أكثر من الدرهمين؟"

نظرت إليه الفتاة بدهشة واستنكار، وظنت أنه يمزح أو يستهزئ بعقلها، وقالت: "كيف لواحد أن يكون أكبر من اثنين؟ هذا محال!"

تذكر الشاب حسم والده، ورغم غصة في قلبه، لم يتردد؛ طلقها مع تباشير الصباح وعادت إلى بيت أهلها.

ولم ييأس عبد الرحمن، بل جرب حظه مرة ثانية مع فتاة أخرى، فكانت النتيجة مطابقة للأولى؛ عجزت عن فك طلاسم السؤال، فرأى فيها عدم الأهلية لإدارة الأيام القادمة، فطلقها.


الفصل الثاني: شباك الغواية

ذات يوم، بينما كان عبد الرحمن يجلس في دكانه الفاخر وسط السوق، يتابع حركة البيع والشراء، دخلت عليه فتاة حسناء، يسبقها عطرها، ويشع من عينيها ذكاء حاد ودهاء غريب. سلب جمالها لبه منذ النظرة الأولى، وتلعثم الشاب التاجر أمام رقتها المفتعلة.

سألها بصوت متهدج عن اسمها، فأجابت بدلال: "اسمي نوال".

تكررت زيارات نوال إلى الدكان، وتعددت الحجج والأسباب، ومع كل لقاء كان قلب عبد الرحمن يغرق أكثر في شباك هواها. تعلق بها تعلقاً شديداً، وأصبح يرى الدنيا من خلال عينيها. وفي ليلة من الليالي، غلبه الهوى والوجد، فقال في نفسه: "سأتزوجها.. ولن أسألها ذلك السؤال الذي أوصاني به أبي. ما ذنب الجمال أن يُختبر بالمسائل؟ فكل النساء في النهاية سواء، والله يقدر ما يشاء".

تزوج عبد الرحمن نوالاً دون أن يعبأ بالوصية. لكن، في ليلة عرسها، دارت به الظنون، ووسوس له مارد الفضول، فسألها على مضض وتردد: "يا نوال، متى يكون الدرهم أكثر من الدرهمين؟"

ضحكت نوال ساخرة، وقالت: "ما هذا الهراء؟ الدرهمان أكثر دائماً، فبالدرهمين نشتري ضعف ما نشتريه بالدرهم الواحد!".

انقبض قلب عبد الرحمن، ونزل عليه الهم كالصخرة، وعرف أن زوجته قد سقطت في الاختبار الذي وضعه الشيخ الحكيم. ولكن، شدة حبه لها أخرست لسان الحق في صدره. وعندما جاء والده في اليوم التالي يسأله بلهفة الأب: "كيف أجابت زوجتك عن السؤال يا بني؟"، كتم الشاب حزنه، وزين لوالده القول وكذب عليه مدعياً أنها أجابت بالإجابة الصحيحة. اطمأن قلب الشيخ الفاني، وفرح بزواج ابنه، وظن أن رحلته في الدنيا قد أوشكت على نهاية سعيدة.

ذات صباح، خرج عبد الرحمن إلى تجارته كالعادة. وفي غيابه، استدعى التاجر العجوز زوجه ابنه نوال. قادها بخطوات متثاقلة نحو دهليز الدار المظلم، وهو يهمس لها: "تعالي يا ابنتي، سأريك شيئاً لا يخطر لكِ على بال".

وقف العجوز أمام جدار قديم، وأزاح بحرص حجراً كبيراً ممتداً في البنيان، ف انفتحت خلفه فجوة عميقة لمعت منها أنوار خطفت الأبصار؛ كانت حفرة عظيمة مملوءة بالسبائك الذهبية، والجواهر النفيسة التي تكفي لأجيال.

اتسعت عينا نوال دهشة وطمعاً، ونبض قلبها بجشع مكتوم. التفت إليها الشيخ وقال بنبرة موصية:

"هذا الكنز ادخرته لعبد الرحمن؛ فهو فتى مدلل، لم تذق يداه خشونة العيش، وأخشى أن يضيع ثروتي الظاهرة بعد موتي. لذلك، سيبقى هذا الكنز سراً ثقيلًا بيني وبينكِ. لا تخبريه به، ولا تعطيه منه درهماً واحداً إلا إذا ضاق به الحال تماماً، وغلقت في وجهه الأبواب. أنا أثق في تدبيرك وعقلك، فمن يدري ما يخبئه لنا الدهر؟"

وعدته نوال، مظهرة الخشوع والوفاء، بأن تحفظ الأمانة، وتخلص لولده. لكن، في تلك اللحظة بالذات، استيقظ وحش الطمع في أركان قلبها المظلم.


الفصل الخطير: تبدل الأحوال ومرارة الخيانة

مرت الأيام والشهور، وكانت نوال تتظاهر بالطاعة العمياء لزوجها، وتقدم الرعاية الفائقة للشيخ الكبير، حتى تمكنت من عواطفهما تماماً. ولم يلبث الشيخ أن أسلم روحه إلى بارئها، ميتة هادئة، ظاناً أنه ترك ابنه في أيدٍ أمينة.

بموت الأب، سقط القناع. بدأت نوال تكشف عن وجهها الجشع، وأخذت تمطر عبد الرحمن بطلبات لا تنتهي؛ قصور، أثواب حريرية، مجوهرات، وهدايا فاخرة. ولأن عبد الرحمن كان هائماً بها، مستكيناً لطلباتها، فقد كان يلبي كل رغبة دون تفكير أو حساب.

دام هذا الحال شهوراً، والشاب ينفق بتبذير، حتى نفد كل المال الظاهر الذي ورثه عن أبيه. وحين انتبه عبد الرحمن إلى دكانه، وجد الخزائن خاوية.

ضاق بالفتى الحال، وأطبقت عليه الهموم. وفي تلك اللحظات العصيبة، كانت نوال ترى لوعته وفقره، لكنها لم تنطق بكلمة واحدة عن الكنز المخبأ في الدهليز، بل احتفظت بالسر لنفسها، ومنعت عنه ما يسد رمقه، ظناً منها أن المال أصبح ملكها وحدها.

وبسبب انشغاله بهمه وحزنه، كف الزبائن عن المجيء إلى دكانه، وبادرت السلع بالتلف. واضطر في النهاية إلى بيع ما تبقى من بضاعة زهيدة بأبخس الأثمان، ليشتري خبزاً يقتات به هو وزوجته، حتى غلق الدكان تماماً، وأصبح بلا عمل ولا مورد.

لم يجد الفتى المدلل حرجاً، أمام قسوة الجوع، من أن يخرج إلى السوق العام، ويقف ذليلاً وسط جماعة من العمال المياومين، ينتظر من يستأجره لعمل شاق. كان يقف والدموع تحرق جفنيه، يتحسر على عزه القديم، ودلاله الراحل.

في هذه الأثناء، عندما رأت نوال عجز زوجها عن مجاراة جشعها، لم تراعِ له ذمة ولا عِشرة. بدأت تقيم علاقة آثمة مع جزار الحارة؛ رجل غليظ القلب والطبع، كان يمدها بما تشتهيه من اللحوم والأطايب، فتشويه و تأكله في غياب زوجها، فإذا عاد عبد الرحمن مهدود الحيل من وعثاء العمل البسيط، قدمت له كسر خبز جاف وقليلاً من الزيت، ناسية خيرة وخير أبيه.


الفصل الرابع: تدبير الصديق وفأر الجدار

وفي يوم من الأيام العابسة، كان عبد الرحمن يقف في السوق، فدعاه رجل ميسور الحال للعمل معه ومع مجموعة من البنائين لترميم بيت. ومن حسن حظ الشاب، كان هذا الرجل صديقاً قديماً ومخلصاً لوالده الراحل.

عندما حان وقت الغداء، دعا الرجل عبد الرحمن ليجلس معه على المائدة دوناً عن العمال، فلاحظ الشاب أن الرجل أكرمه وأعطاه ضعف أجرة الآخرين. التفت الصديق الوفي إلى الشاب وقال وعيناه تملأهما الحيرة: "يا عبد الرحمن، لقد كنت أعرف أباك عز المعرفة، وكان من أثرياء هذه المدينة وأحكمهم. كيف آل بك المطاف لتسف التراب، وتعمل في مهنة شاقة لا تليق بمقامك ومقام والدك؟"

انفجر عبد الرحمن بالبكاء، وقص على صديق والده حكايته من البداية؛ كيف أنفق ماله، وكيف ضاقت به الدنيا، وكيف تتبدل أحوال زوجته معه.

استمع الرجل بتركيز كبير، ثم هز رأسه وقال بنفاذ بصيرة: "يا عبد الرحمن، أنا لا أصدق أن أموال أبيك قد نفدت بهذه السرعة، فقد كان رجلاً بعيد النظر. إنني على ثقة أن والدك قد أخفى عنك أموالاً طائلة، ظناً منه أنك ستضيع ثروته الظاهرة. ولا أستبعد أبداً، بل أكاد أوقن، أنه قد أخبر زوجتك بهذا السر لما رأى من تظاهرها بالصلاح!"

صُعق عبد الرحمن من هذا التحليل، وتذكر فجأة ليلة الزفاف؛ تذكر أن نوال لم تعرف إجابة السؤال، وتذكر أنه هو من خدع أباه وضيع وصيته. اغتم الشاب غماً شديداً، وشعر بالندم يمزق أحشاءه. التفت إلى صديق أبيه يستشيره: "ماذا أفعل الآن يا عمي؟ إنني هالك لا محالة".

قال له الرجل بحكمة: "اسمعني جيداً.. عد إلى بيتك وتظاهر بأنك لا تعلم شيئاً، وإياك أن تظهر لها ريبتك، لكي لا تحذر منك هذه الزوجة اللئيمة. قل لها إنك قررت بيع هذه الدار الكبيرة لتشتري بيتاً صغيراً بائساً نسكن فيه، واطلب منها الذهاب إلى بيت أهلها لبضعة أيام حتى ترتب المكان الجديد".

نفذ عبد الرحمن الخطة بدقة. عاد إلى الدار ووجهه يحمل علامات اليأس، وأخبر نوال بقرار بيع المنزل والرحيل لبيت صغير. طارت نوال فرحاً، وظنت غبيةً أن الدار ستباع، وستأخذ هي نصيباً أو تستأثر بالكنز بطريقتها، فابتسمت بخبث، وحزمت صرة ثيابها، ومضت إلى بيت أهلها مسرعة.

بمجرد خروجها، أغلق عبد الرحمن الأبواب، وبدأ رحلة بحث مضنية. فتش الغرف، وقلب الأثاث، وحفر في زوايا الحديقة، فلم يجد شيئاً. كاد اليأس يقتله، فقال في نفسه: "لقد بحثت في كل مكان، ولم يبقَ سوى مكان واحد.. الدهليز المظلم".

أشعل شمعة ونزل إلى العتمة، وبدأ يتفحص الجدران حجراً حجراً. وفجأة، لمح فاراً صغيراً يطل برأسه من ثقب بين الأحجار. رفع عبد الرحمن عصاه وضرب الحائط بقوة طرداً للفأر، فإذ بحجر كبير يهتز ويسقط على الأرض.

وانبثق من خلف الحجر بريق أصفر خطف بصره.. إنه كنز أبيه!

خر عبد الرحمن على ركبتيه يبكي بكاء مريراً، يترحم على أبيه الحكيم ويستغفر لخيانته وصيته. وبعد أن هدأ روعه، جمع الذهب والجواهر كلها ونقلها إلى مكان آمن، ثم عمد إلى حفنة كبيرة من بعر الإبل (روث الجمال اليابس)، وملأ بها الحفرة تماماً، وأعاد الحجر إلى مكانه كما كان.


الفصل الخامس: المزاد والعدالة المرة

توجه عبد الرحمن إلى صديق والده وأخبره بالقصة. ضاحك الرجل طويلاً وقال: "أحسن الصنيع! عندما تضع تلك اللئيمة يدها في الحفرة، ستجد المفاجأة التي تستحقها".

وفي الصباح التالي، طلب عبد الرحمن من دلال السوق أن يعلن عن بيع الدار الكبيرة في المزاد العلني. اجتمع الناس والتجار، وكان من بين الحضور "الجزار"؛ عشيق نوال، الذي جاء مدفوعاً باتفاق سري بينه وبينها، حيث اتفقت معه أن يشتري الدار بأي ثمن، على أن تدله على الكنز لاحقاً فيتقاسماه.

بدأ المزاد، وأخذ الجزار يرفع الثمن ويغالي فيه بيقين الأبله، حتى استقر البيع عليه بمبلغ ضخم جداً يعادل ضعف قيمة الدار الحقيقية. قبض عبد الرحمن المال وسلمه المفتاح. وكان صديق والده يقف بجانبه، فهمس في أذنه: "يا بني، هذا الجزار هو الرجل الذي تآمر معك زوجتك عليك".

لم ينتظر عبد الرحمن؛ ذهب في اليوم التالي مباشرة إلى القاضي، وطلق نوالاً طلاقا بائناً ثلاثاً لا رجعة فيه. ولما خرج، دعاه صديق والده إلى منزله قائلاً: "تريث عندي اليوم يا بني، وانتظر حتى الغد لنرى ما يصنع الظالمون بأنفسهم".

في هذه الأثناء، كان الجزار ونوال يهرولان نحو الدار المبيعة، تملأ قلوبهما نشوة النصر. دخلا الدار وأغلقا الباب، ونزلا سريعاً إلى الدهليز المظلم. نظرت نوال إلى الجزار وقالت بزهو: "أعطني مفاتيح الدار، وسأخرج لك الآن مالك الذي دفعته وزيادة، لتبيعني الدار كما اتفقنا".

تقدمت نحو الجدار، وأزاحت الحجر بلهفة، وأدخلت يدها بكل قوتها لتقبض على الذهب.. ولكن، لم تجد سوى قطع جافة من بعر الإبل!

صعقت الفتاة، وجن جنونها، وأخذت تصرخ كالمرعوبة: "لقد احتال علي عبد الرحمن! كيف؟ كنت أحسبه أحمقاً لا يفقه شيئاً!".

أما الجزار، فقد سد أنفه من الرائحة النتنة التي انبعثت من الحفرة، واشتعل رأسه غضباً وناراً. التفت إليها وعيناه تتطايران شرراً، وانهال عليها ضرباً مبرحاً وهو يصرخ: "يا خائنة! لقد دفعت في هذه الدار كل ما أملك، وخسرت مالي بسبب كذبك وجشعك!". تركها ملقاة على الأرض بدمائها، وخرج يجر أذيال الخيبة والفقر.


الفصل السادس: حكمة الدرهم الواحد

بقي غيظ نوال يأكل أحشاءها؛ خسرت زوجها الوفي، وخسرت الكنز، وخسرت الجزار الذي أيقنت أنه لن يستقبلها مجدداً. جلست في عتمة الدهليز تبكي طوال الليل، وتندم وتلوم نفسها حيث لا ينفع الندم، وهي تردد: "ماذا فعلت بنفسي؟ كنت في أفضل عيشة وأحسن حال، لكن الطمع أعمى بصيرتي".

وفي الصباح، دخل عبد الرحمن الدار ليأخذ بعض أمتعته، فوجد الباب مفتوحاً. نزل إلى الدهليز، فرأى نوال ملقاة على الأرض في أسوأ حال، مكسورة الروح والجسد. اقترب منها ونظر إليها بعين الحرقة والشفقة وقال:

"يا نوال، لو شعرت يوماً أنكِ زوجة صالحة، لاقتسمت معكِ كنز أبي لآخر درهم. لكنكِ امرأة طماعة، لا يثمر فيكِ معروف، ولا يظهر فيكِ خير."

وفي اليوم التالي، جاء الجزار ذليلاً إلى عبد الرحمن، يبكي ويسأله أن يرجع له ماله ويأخذ الدار، فهو لا حاجة له بها وقد أفلست تجارته. ترفع عبد الرحمن عن ظلمه، وعرض عليه أن يعيد له نصف الثمن فقط مقابل استرداد الدار. وافق الجزار مرغماً وهو يقول في نفسه: "نصف المال خير من لا شيء، وأنا الظالم الذي تآمرت على جاري". ولم يمر وقت طويل حتى أفلس الجزار تماماً، وقاطعه أهل الحي بعدما فضحت قصته المخزية. أما نوال، فصارت تعيش منبوذة، تغطي رأسها ووجهها كلما خرجت إلى الزقاق لكي لا يشمت الناس فيها، وتتجنب المرور من أمام دكان عبد الرحمن حياءً وخوفاً.

أعاد عبد الرحمن فتح دكانه القديم، وملأه بأفخر البضائع، دون أن يمس درهماً واحداً من كنز أبيه المخبأ؛ فقد كفاه مال الجزار المسترد لإعادة تجارته وتنميتها. وتوطدت العلاقة بينه وبين صديق والده الوفي، فصارا يشتركان في شراء البيوت القديمة وإعادة بنائها، فتدفق المال بين يديهما بغزارة. ورغم هذا الثراء، كان عبد الرحمن يرفض الزواج رفضاً قاطعاً، فقد تركت نوال في قلبه جرحاً عميقاً، وجعلته يظن أن النساء كلهن غادرات.

وفي أحد الأيام الصافية، زار عبد الرحمن صديق والده في منزله. رحب به الرجل كثيراً، ثم نادى ابنته قائلًا: "يا صفية، أحضري القهوة لعمكِ عبد الرحمن".

دخلت الفتاة، وكانت آية في الجمال، لكنه جمال هادئ يكسوه الحياء. ومن شدة خجلها وارتباكها عند رؤية الشاب، تعثرت قدمها وسقطت دلة القهوة من يدها، فاحمر وجهها خجلاً ولم تدرِ ما تفعل.

ابتسم عبد الرحمن برقة وقال مهدئاً روعها: "لا بأس يا أختاه، اعتبري أنني شربتها وهنئت بها".

انسحبت الفتاة مسرعة، فالتفت عبد الرحمن إلى أبيها يسأله عنها، فقال الشيخ وعيناه تلمعان بالفخر: "إنها ابنتي الوحيدة يا بني.. توفيت والدتها منذ زمن بعيد، فاعتنيت بتربيتها وحدي على قيم الأخلاق، والدين، والعفة".

شعر عبد الرحمن ببريق غريب يلمس قلبه المظلم، وظن أن صفية قد تكون الزوجة التي تمناها، لكنه كتم الأمر واستأذن وانصرف.


الخاتمة: حقيقة الميزان

عاد الشاب إلى داره، وصورة صفية لا تفارق خياله. قال لنفسه: "إنها فتاة لطيفة وتتميز بالأخلاق الطيبة.. أريد خطبتها". لكن مارد الشك صرخ فيه: "ألم تقل هذا عن نوال من قبل؟". رد على نفسه: "ولكن، هل يعقل أن يكون كل النساء مثل نوال؟ سأختبرها أولاً".

عرف عبد الرحمن أن صفية تخرج كل صباح إلى السوق لقضاء حوائج البيت. وفي الصباح التالي، وقف في طريقها مختبئاً خلف شجرة كثيفة، وعندما رآها قادمة، أسقط من جيبه عمداً عقداً ثميناً من الذهب المرصع بالأحجار الكريمة.

مرت صفية، فلمحت العقد المتلألئ في التراب. انحنت والتقطته، وتعجبت من فرط جماله وقيمته، ونظرت يمنة ويسرة فلم تجد أحداً. لم تضع العقد في جيبها، ولم تلتفت يميناً أو شمالاً، بل مشت بخطوات ثابتة حتى وصلت إلى مسجد القرية، وسلمت العقد ل إمام المسجد قائلة: "يا شيخنا، وجدت هذا العقد في الطريق. إن جاء صاحبه يبحث عنه فرده إليه، وإن لم يأتِ، فاجعله صدقة يُنفق ثمنها على الفقراء".

دعا لها الإمام قائلاً: "بارك الله فيكِ وفيمن رباكِ يا ابنتي".

كان عبد الرحمن يراقب المشهد من بعيد، فطار قلبه فرحاً، وزال الشك عن صدره تماماً. خرج واعترض طريقها بأدب وقال: "يا فتاة، إن العقد ملكي، وصفته كذا وكذا.. ولكن بعد الذي رأيته منكِ، فإن هذا العقد هو مهركِ لزواجنا، وسأزيدكِ عليه ما يرضي أباكِ".

رافقها إلى المنزل، وعندما رآهما الأب قادمين معاً، ابتسم وقال: "إن كنت تنوي خطبتها يا عبد الرحمن، فأنا مبارك وموافق".

قال عبد الرحمن: "هذا ما أتمناه حقاً يا عمي".

أراد الأب الحكيم أن يمازحه ويختبر معدنه فقال: "ولكن مهر ابنتي غالٍ جداً.. أشترط أن تهبها كل ما تركه لك والدك من كنز وذهب!".

أجاب عبد الرحمن دون تردد وبثقة: "والله لا يغلو شيء على صفية بعد الذي رأيت من عفتها وأمانتها".

ضحك الأب وقال: "لقد أردت فقط أن أرى مدى قبولك لها وتقديرك لقيمتها؛ فأنا أيضاً أخشى على ابنتي الوحيدة من تقلبات الزمان. أما عن المهر، فذلك العقد الذي في يدها يكفيها ويزيد".

وفي ليلة الزفاف، جلس عبد الرحمن بجانب عروسه صفية، والبهجة تملأ أركان الدار. نظر إلى عينيها وقال بصوت هادئ: "يا صفية، عندي سؤال أرجو أن تجيبيني عليه: متى يكون الدرهم أكثر من الدرهمين؟"

ابتسمت صفية بحكمة بالغة وقالت دون تردد:

"يكون الدرهم أكثر من الدرهمين.. إذا كان مصدره حلالاً بريئاً من الحرام، وإذا أحسن صاحبه التصرف فيه بالتدبير والقناعة؛ فالدرهم الحلال المبارك يثمر ويدوم، والدرهمان من حرام أو إسراف يذهبان بصاحبهما إلى الفقر والهلاك."

دمعت عينا عبد الرحمن فرحاً، وقال: "سبحان الذي قدر لي الشقاء مع ثلاث فتيات قبلكِ، لتأتي أنتِ في النهاية، تطرقين باب قلبي البائس، وتملكين إحساسي وعقلي.. لقد ظننت أن النساء كلهن سواء، واليوم علمت الخبيث من الطيب".

عاش عبد الرحمن وصفية في سعادة وهناء، ورزقهما الله البنين والبنات، وبارك لهما في تجارتهما حتى صار من أكابر تجار زمانه، وعلم يقيناً أن وصية أبيه الحكيمة كانت، ولا تزال، أثمن من كل ذهب الأرض.

تعليقات