قصة عزوز والنعجة الهزيلة: كيف تحول الفقر إلى ثراء معجزة يوم العيد؟

 


الفصل الأول: تحت سقف الطين والرضا

في عمق تلك القرية المنسية التي تغفو على حافة الجبل، كان الفجر يولد كل يوم على وقع خطى عزوز. يخرج من بيته والظلام لا يزال يلف الأزقة الضيقة، ولا يعود إلا بعد أن تغيب الشمس ويهدأ الكون، حاملاً على كاهله التعب والشقاء. كان يعمل في كل ما يتاح له؛ يحمل الحجارة، يبني الجدران، ويشيل الأثقال لمن يطلب، دون تذمر أو شكوى. وفي نهاية كل نهار، يضع ما كسبته يداه من قروش معدنية قليلة في يد زوجته فاطمة.

كانت فاطمة امرأة صالحة، تحول تلك القروش القليلة بصبر وحكمة إلى ما يسد رمق العائلة. لم يكن الطعام كافياً في كثير من الأيام، فكانت تقسم رغيف الخبز بيديها، تطعم أولادها أولاً، وتبقى هي طاوية بطنها على الجوع، تبتسم في وجوههم لتوهمهم بالشبع.

كان لهما ثلاثة من الأبناء يملؤون البيت الصغير حركة وحياة:

  • يوسف: الابن الأكبر، الصامت الرزين، الذي كان يفهم وعثاء الحياة بنظراته أكثر مما يتكلم.
  • مريم: ذات العينين الواسعتين اللتين تشعان بريقاً وأملاً.
  • الحسن: الأصغر، كتلة من النشاط الذي لا يعرف الصمت، ولا يملك في قلبه مكاناً للغم.

كانت ثياب الأطفال بالية، والنعال ترقع المرة تلو الأخرى قبل أن تُستبدل. وإذا طلب الحسن يوماً لعبة أو ثوباً رآه عند أولاد الجيران، ضمت فاطمة رأسه إلى صدرها وقالت له بحنان: "قريباً يا حبيبي، قريباً"، وكان الصغير يصدقها لأن قلبه لم يتلوث بعد بشكوك الكبار. ورغم أن البيت كان مبنياً من الطين القديم، جدرانه متشققة وبابه الخشبي نخره الزمن، إلا أن داخله كان دافئاً بألفة ومحبة لا تُشترى بالمال.

الفصل الثاني: بريق العيد وظلال السخرية

مع اقتراب أيام عيد الأضحى، بدأت ملامح القرية تتغير، وامتزجت أجواء الفرح بتبااهي الأغنياء. كان أول القادمين جارهم أبو طاهر، رجل ضخم الجثة والمكانة، يتعمد أن يراه الناس وهو يقود عجلاً أسود سميناً بحبل مشدود، وقف أمام بابه وصاح صياح المنتصر: "تعالوا انظروا يا أبطال!"، فركض أولاده يملؤون الزقاق صراخاً وفرحاً.

وفي اليوم التالي، جاء أبو سالم بكبش أبيض كبير ذي قرون ملتوية، وتبعه أبو زكي بكبشين سمينين يمشيان بتبختر وخيلاء. كان الحسن الصغير يقف عند عتبة الباب، يراقب المشهد بعينين متقدتين، ثم يركض إلى داخل البيت ويلهث قائلاً: "أبي! أبو طاهر جاء بعجل أسود، وأبو سالم جاء بكبش أبيض، متى تجيء أنت بكبشنا؟"

كان عزوز يبتسم بمرارة يخفيها خلف ملامحه الهادئة ويقول: "قريباً يا بني، قريباً". كانت مريم تنظر إلى أبيها بعينيها الواسعتين مدركة بعاطفة الأنثى قلة حيلته، بينما يوسف يستمع ويدرك بنضجه المبكر أن كلمة "قريباً" في قاموس والده ليست دائماً سهلة المنال.

في تلك الليلة، بعد أن نام الأولاد، جلس عزوز وفاطمة تحت ضوء شمعة خافتة، وأخرجا صرة القماش التي يجمعان فيها مدخرات العام كله. عدا المال مرة ومرتين.. كان المبلغ زهيداً لا يكاد يشتري شيئاً في سوق اشتعلت فيه الأسعار. قلق نبت في عين فاطمة فسألته: "وإن لم يكفِ المال؟"، مسح عزوز على لحيتة وقال ب ثقة ويقين: "يكفي الله.. هو الميسر".

الفصل الثالث: في زاوية السوق المهملة

في الصباح الباكر، قصد عزوز السوق. كانت الأجواء صاخبة، والكباش الضخمة مصفوفة كالامراء، يحيط بها المشترون من كل جانب. طاف عزوز بين الباعة، يسأل عن الأثمان، فكانت الإجابات تصدمه؛ فكل شيء يفوق قدرته المالية بكثير. وكلما وجد خروفاً صغيراً يناسب جيبه، سبقه إليه غيره من الميسورين.

كاد عزوز يعود إلى بيته مكسور الخاطر، صفر اليدين، حتى لمح في زاوية منسية من السوق، بعيداً عن الضجيج، رجلاً عجوزاً يجلس على حجر وبجواره نعجة مربوطة بحبل. كانت نعجة هزيلة للغاية، قصيرة القوائم، صوفها أشعث متسخ، وعيناها واسعتان تحدقان في الفراغ كأنها مريضة أو على وشك الموت. لم يقف عندها أحد من المتسوقين.

اقترب عزوز وسأل العجوز عن ثمنها، فرد الرجل بقلة اهتمام وبخس: "خذها بما تشاء من المال، فلا أحد يريدها في هذا السوق".

وقف عزوز يتأملها؛ لم تكن الأضحية السمينة التي تمنى أن يدخل بها الفرحة على بيته، لكن صورة الحسن وهو يسأل: "متى تجيء بكبشنا؟"، ونظرات مريم، وصمت يوسف، كل ذلك تلاحق في مخيلته. دفع عزوز ما يملك وقاد النعجة الهزيلة خلفه متوجهاً إلى القرية.

حين وصل إلى الزقاق، كان الحسن يلعب، فرفع رأسه وصرخ بفرح: "جاء أبي بالاضحية!". خرجت مريم ويوسف على صوته. اقترب الحسن ولمس الصوف الأشعث بيده، وببراءة الأطفال وصراحتهم قال: "هي نحيفة جداً يا أبي.. كباش الجيران أكبر منها بكثير! لماذا لم تجئ بكبش مثلهم؟"

جلس عزوز على عتبة الباب الطيني ليصبح في مستوى عيني طفله، وقال بهدوء: "لأن هذه هي ما يسّرها الله لنا هذا العام يا بني". سأله الحسن بقلق: "وهل يقبلها الله يا أبي؟" أجابه عزوز وعينه تفيض إيماناً: "إن الله لا ينظر إلى حجم الأضحية يا حسن، بل ينظر إلى ما في القلب". صمت الحسن مفكراً للحظة، ثم التفت إلى أبيه وابتسم قائلاً: "إذاً.. قلبك أكبر من كبش أبي طاهر!".

ضحك عزوز من قلبه، بينما اقتربت مريم وقالت بلطف: "عيناها كبيرتان وجميلتان يا أبي". أما يوسف، فلم يقل شيئاً، بل تقدم بصمت وأخذ الحبل من يد أبيه، وقاد النعجة برفق إلى حديقة البيت الخلفية.

في الصباح التالي، مرّ فارس وابن أبي طاهر بالحديقة، ورأيا النعجة الهزيلة، فضحكا باستهزاء وقال فارس: "أهذه هي أضحيتكم؟ رأس كبشنا وحده أكبر من نعجتكم هذه!". نظر إليهما الحسن بثبات وقال: "أبي قال إن الله ينظر إلى القلب". فرد فارس متهكماً: "ولكن القلب لا يشبعنا يوم العيد!".

دخل الحسن البيت حزيناً وجلس بجوار أبيه وأخبره بما جرى، فربّت عزوز على رأسه وقال: "يا حسن، الناس يضحكون مما لا يعرفون، والله يعلم ما لا يرون، وهذا يكفي.. إن أفعالنا يجب ألا تشبه من آذانا".

الفصل الرابع: ما وراء الكرش

أشرقت شمس يوم العيد. أخرج عزوز نعجته في فناء البيت الداخلي بعيداً عن أعين الجيران وسخريتهم. سمّى الله وذبحها، ثم شرع في سلخها وتنظيفها بمساعدة يوسف والحسن. وبعد أن أخرج الأحشاء، نادى زوجته: "خذي هذه ونظفيها يا فاطمة".

أخذت فاطمة الكرش إلى إناء الماء الكبير، وبدأت تغسلها وتفركها بيديها وتصب عليها الماء. وفجأة، تعثرت أصابعها بشيء صلب وضخم مستقر في عمق الكرش!

أدخلت يدها بفضول، وأمسكت بالشيء الحجري الصلب وأخرجته. نظرت إليه ولم تصدق عينيها.. صُعقت للحظات، تراجعت إلى الوراء والأنفاس تكاد تنقطع من صدرها. كان في يدها سلسلة ذهبية ثقيلة من الذهب الخالص اللامع، الذي لم يمسه غبار قط، ويتوسطها حجر كريم أزرق عميق اللون، يمسك ضوء الصباح ويعكسه كأنه قطرة من ماء البحر الصافي.

صاحت فاطمة بصوت مخنوق من الصدمة: "عزوز! تعال يا عزوز!". هرع عزوز مسرعاً، ونظر إلى ما في يدها، فجمُدت الكلمات في حلقه. بقيا يتبادلان النظرات في صمت ذهيب. ركض الحسن وصاح: "ما الذي حدث؟".

أغلق عزوز عينيه لحظة، ليتأكد أنه ليس في حلم، ثم التفت إلى أولاده وقال بنبرة يملؤها الخشوع: "هذا رزق الله يا أولادي.. ياتي من حيث لا يحتسب أحد".

الفصل الخامس: تبدل الأحوال وبقاء الجوهر

في اليوم التالي، سافر عزوز إلى المدينة وقصد دكان أكبر تجار المجوهرات. وضع السلسلة على الطاولة الخشبية. امسكها التاجر بذهول، قلبها بين يديه، ورفعها نحو نور الشمس، وصمت طويلاً والدهشة تعلو وجهه، ثم قال: "هذا ذهب خالص ونادر جداً، أما هذا الحجر الأزرق فهو حجر كريم لم أرَ مثله منذ سنوات طويلة".

كتب التاجر رقماً ضخماً على ورقة وقدمها لعزوز. قرأ عزوز الرقم مرة ومرتين، شعر بدوار من ضخامة المبلغ، لكنه تماسك وقال بصوت ثابت: "بعتك".

عاد عزوز إلى قريته، دخل بيته الطيني وأغلق الباب خلفه. كانت فاطمة تنتظر على أحر من الجمر، قرأت البشرى في وجهه قبل أن يتكلم. قال لها بصوت خافت: "بعناها يا فاطمة.. بسعر لم يخطر لنا على بال يوماً". جلست فاطمة على الأرض وعيناها تفيضان بالدموع وقالت: "الحمد لله.. الحمد لله".

اجتمع الأولاد يسألون بفضول: "كم يا أبي؟ كم أعطاك؟" ابتسم عزوز وضمهما قائلاً: "أعطانا الله ما يكفي لنبني بيتاً يليق بأمكم، ويشتري قطيعاً يعيش معنا في الحديقة، ويبقى بعد ذلك ما يكفيكم غداً وطوال العمر".

قفز الحسن فرحاً، وضمت مريم أمها وهي تضحك، ونظر يوسف إلى والده وابتسم ابتسامه حقيقية عريضة لم يعرف ثغره مثلها من قبل.

الفصل السادس: الحصاد الأكبر

ولم يتأخر عزوز في إظهار شكر النعمة؛ ففي اليوم التالي، لم يبدأ ببناء بيته، بل ذهب واشترى عجلاً سميناً ضخماً، وذبحه في الساحة الكبيرة للقرية، وطبخت فاطمة مع نساء القرية القدور الكبيرة حتى المساء، وأرسل عزوز حصة وافرة من اللحم والثريد إلى كل بيت في القرية، لم يستثنِ أحداً؛ جاء من ضحك منه ومن لم يضحك.

وحين جلس الجار أبو طاهر في صف الرجال، تقدم عزوز بنفسه، وبكل أدب واحترام، وضع أمامه أكبر صحن مليء باللحم، دون كلمة عتاب واحدة، ودون نظرة تشفٍ. نظر أبو طاهر إلى الصحن، ثم رفع عينه إلى عزوز بخجل شديد، وقال بصوت خافت تملؤه الهيبة: "بارك الله فيك يا عزوز.. وجزاك خيراً". كانت هذه أول مرة ينطق فيها أبو طاهر بكلمة تخلو من الاستهزاء والتعالي.

وفي ناحية أخرى، جلس فارس بجانب الحسن، صمت قليلاً وهو ينظر إلى الأرض، ثم قال بصوت مسموع بالكاد: "أنا أسف يا حسن عما قلته بالأمس". فنظر إليه الحسن ببراءة الأطفال الصافية وقال: "لا بأس يا أخي.. كُل معنا".

ولم تقف نظرة عزوز عند ذلك؛ فطاف في صباح اليوم التالي على بيوت الفقراء، فوضع في يد الأرملة "أم حسن" ما يكفيها ويكفي عيالها لشهور، واشترى لليتيم الصغير الذي كان يراه دائماً حافياً في الأزقة نعالاً جديدة وثياباً زاهية، وطرق كل باب يعرف خلفه حاجة أو عوزاً، يضع المال ويمضي دون أن ينتظر من أحد شكراً أو ثناءً.

ثم توجه إلى السوق، واشترى قطيعاً من الغنم يضم عشرين رأساً من أفضل الخراف السليمة، وأدخلها حديقته، وبدأ يوسع زريبتها بيديه حتى حل الظلام.

وفي الأسبوع الذي تلاه، زحف البناؤون إلى البيت الطيني القديم، هدموا الجدران المتشققة التي شهدت سنوات الصبر والضيق، وبنوا مكانها بيتاً حقيقياً واسعاً، بأبواب خشبية صلبة ونوافذ عريضة تدخلها الشمس، وجعل فيه غرفة ليوسف، وغرفة لمريم والحسن، وغرفة كبيرة له ولزوجته فاطمة.

حين دخلت فاطمة البيت الجديد لأول مرة، وقفت في وسطه تتأمل جدرانه النظيفة وأثاثه البسيط الراقي، ثم التفتت إلى عزوز وقالت بنبرة مؤثرة: "طوال تلك السنوات العجاف.. لم أشكلُ يوماً"، فرد عليها وعيناه تلمعان: "أعرف يا فاطمة.. لكني كنت أحلم باليوم الذي أكافئك فيه".

كان القطيع يتحرك ويمأمأ في الزريبة الخارجية، وصوت ضحكات الأولاد يتردد في غرفهم الجديدة، وفاطمة تصب الشاي الدافئ في بيت أدارت له الدنيا وجهها بعد طول عناء.

لم يكن عزوز يعلم يوم وقف في زاوية السوق ليشتري تلك النعجة الهزيلة المتروكة، أن الله سبحانه وتعالى لم يكن ينظر إلى هزالة تلك الأضحية، بل كان ينظر إلى قلب ذلك العبد الصابر الذي شكر في الضيق، وأعطى من القلة، ولم يبخل بنواياه الصافية؛ ففتح الله له ولأهله أبواب رزق وفضل لا تخطر على قلب بشر.

تعليقات