في قلب مدينة دمشق القديمة، منذ قرون خلت، عاش رجلٌ طيب القلب يُدعى حسن، وكان أهل الحي يلقبونه بـ الحاج حسن لأنه أدى فريضة الحج ثلاث مرات. كان الحاج حسن خياطاً ماهراً، صادق الوعد، كتوماً لصدقاته؛ فكانت يده اليمنى تنفق في الخفاء ما لا تعلمه شماله ابتغاء مرضات الله. شاركته زوجته "الحاجة" هذا الصلاح، ونشأ بيتهما على التربية الإيمانية لبناتهما الثلاث: الكبرى رباح، والوسطى صباح، والصغرى نجاح.
تميزت الصغرى "نجاح" بعقلٍ راجح؛ فكانت تدخر جزءاً من مصروفها اليومي في صندوق خشبي صغير، بينما كان أبوها ينفق كل كسبه على الفقراء. ودارت الأيام، واشتد المرض على الخياط الطيب، فجمع أسرته مودعاً وقال بقلب مطمئن: "أموت ولا أترك لكنّ ثروة، ولكن ثروتي عند الله، وحفظ الله أثمن من أي مال". ولم تلبث زوجته أن لحقت به حزناً عليه، لتجد البنات الثلاث أنفسهن يتيمات بلا معيل في هذه الدنيا الواسعة.
فكرة ذهبية ومواجهة أهوال الحياة
أمام ضيق الحال ودموع الأخت الكبرى رباح، برزت حكمة الأخت الصغرى نجاح، حيث أخرجت صندوق مدخراتها واقترحت شراء ثلاثة أنوال وكمية من الصوف الخام، مستغلةً ما تعلمته سابقاً من والدتها في غزل الصوف. وبالفعل، بدأت الشقيقات بالعمل، ولاقت بضاعتهن إقبالاً كبيراً في السوق وحققن ربحاً مجزياً.
بفضل إدارة نجاح الذكية، تضاعفت أرباحهن بمرور الأيام، وقررن تقاسم المبالغ المدخرة بالتساوي. اشترت رباح أسرّة أنيقة للمنزل، واشترت صباح خزنة ثياب كبيرة، أما نجاح، فنزلت إلى السوق تبحث عن شيء ذي فائدة، لكن قدرها كان يقودها إلى موقف سيغير حياتهن إلى الأبد.
إنقاذ الغلام في سوق العبيد
أثناء عودة نجاح، مرت بسوق العبيد، فرأت نخاساً يضرب غلاماً في العاشرة من عمره بقسوة وبلا رحمة. تقدمت الفتاة بدافع الرحمة المتأصلة فيها لتمنعه، فأخبرها النخاس أن الغلام غبي ولا يصلح لشيء ويعيده كل من يشتريه. لم يطاوع نجاح قلبها النقي، فاشترت الغلام بكل ما تملك من مال وتعهدت بألا تعيده.
مسحت نجاح دموع الغلام الباكي، وحين ناداها "سيدتي"، قاطعته بلطف قائلة:
"لا تناديني سيدتي، أنا أختك الكبرى.. لا يوجد سيد ومسود في هذه الدنيا، ولدينا سيد واحد فقط هو الله، ومن الآن أنت أخي الأصغر."
تأثر الغلام بكلامها وأخبرها بصدق أنه ليس غبياً، بل إن أسياده السابقين كلفوه بما لا يطيق، حيث ربطوه مكان حمار الطاحونة الميت ليحرك الحجر الضخم! والمفاجأة الكبرى كانت حين سألته عن اسمه، فأجاب: "اسمي حسن". فاستبشرت نجاح خيراً لأن اسمه على اسم والدها الراحل.
الخاتم العجيب في جوف السمكة
عادت نجاح بالعبقري الصغير "حسن" إلى المنزل، ورحبت به شقيقتاها وعلمتاه غزل الصوف، فأثبت ذكاءً باهراً وأصبح يعاونهن في كل أعمال البيت والتجارة.
وفي أحد الأيام، اشتهت نجاح أكل السمك، فأرسلت حسناً إلى السوق ليشتري لها ما أرادت. وبينما كان حسن ينظف السمك في المطبخ، تعالت صرخاته منادياً الشقيقات بذهول. لقد وجد في جوف السمكة خاتماً ذهبياً عجيباً منقوشاً برسومات بارزة! أخذت نجاح الخاتم وبدأت بفركه لتنظيفه من الأوساخ، وفجأة.. انبعث عمود كثيف من الدخان الأسود، وظهر من الأرض رجل مهيب المنظر، انحنى باحترام وقال بصوت هز أركان الغرفة:
"شبيك لبيك.. أنا عبدٌ بين يديك، أي شيء تطلبينه أحضره!"
نهاية سعيدة وجزاء الصلاح
رغم ارتباك الشقيقات، تماسكت نجاح وقالت بحكمة: "نريد قصراً فخماً أمام قصر السلطان، به خدم وحشم، وفي خزائننا ما يكفينا مدى الحياة، وما يجعلنا نتصدق بسخاء على الفقراء والمساكين كما كان يفعل أبوانا".
وفي لمح البصر، تحققت الأمنية، ولم تنس الشقيقات أخاهن حسن، بل جلبن له أشهر المعلمين ليتعلم ويستفيد من هذه الفرصة العظيمة. ولأن الله لا يضيع أجر المحسنين، شاع صيت الشقيقات بأخلاقهن وعفتهن، فتشرف أبناء السلطان الثلاثة بالزواج منهن، ليعشن جميعاً في سعادة وهناء. لقد حفظ الله اليتيمات في أنفسهن وأموالهن، وكان ذلك جزاءً عادلاً لتمسكهن بالشرف، ورحمتهن بالغلام حسن، وامتداداً لصلاح الخياط الطيب "الحاج حسن".
وهنا يا أحبابنا تنتهي قصتنا لليوم.. قصة تؤكد لنا أن الأب الصالح يترك لأبنائه كنزاً من الدعاء والتوفيق لا تفنيه الأيام، وأن "حسن المعاملة" والرحمة بالضعفاء هما المفتاح الحقيقي لكل معجزة ورزق في هذه الحياة.
شاركونا تطلعاتكم وآراءكم في التعليقات:
- ما هو أكثر موقف أثر في نفوسكم في هذه الحكاية؟ هل هو موقف نجاح مع الغلام، أم أمنيتها التي ركزت فيها على الصدقة؟
