قصة نعمان والجني سليم: من راعي أغنام بسيط إلى وزير السلطان



كان يا مكان، في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، كان هناك راعٍ بسيط يعيش مع أسرته في بيت صغير قرب إحدى المدن الكبرى. كان هذا الراعي يخرج كل صباح مع أغنامه وماشيته نحو السهول المفتوحة والغابات الخضراء، ويبحث لها عن المرعى، وفي المساء يعود بمنتجاتها ليبيع الحليب والصوف، ليكسب قوت يومه ويعيل عائلته.

كان للراعي أخ أصغر منه يدعى "نعمان"، وكان نعمان شاباً يختلف عن أقرانه؛ فقد رزقه الله ذكاءً حاداً وشغفاً لا ينتهي بالقراءة والكتابة، مما دفع أخاه الأكبر لتسجيله في مدرسة دينية ليتعلم العلوم والآداب. ولم يخب ظن الأخ في نعمان، فكان دائماً يحتل المركز الأول في امتحاناته ويتفوق على الجميع. لكن الأيام دارت، وبدأت مصاريف التعليم تشتد وتثقل كاهل الراعي الفقير، حتى عجز تماماً عن توفيرها.

وفي يوم من الأيام، أقبل الأخ الأكبر على نعمان والحزن يعتصر قلبه وقال له: — "يا بني، لا شك في رغبتك في التعلم، وأنا أيضاً أريدك أن تتعلم، فالإنسان بلا علم لا قيمة له.. لكن الظروف لم تعد تسمح لي بتحمل نفقاتك، وللأسف، عليك أن تترك المدرسة".

نزلت الكلمات كالصاعقة على قلب الفتى الصغير، وقال بحزن: — "إذا تركت المدرسة فماذا سأفعل؟ إن لم يكن هناك تعليم فلن أجد وظيفة محترمة، وربما سأضطر للذهاب إلى المدينة والعمل باجر يومي كخادم للناس".

فرد الأخ الأكبر بحزم ومحبة: — "لا عيب في العمل يا أخي، لكني لا أريدك أن تكون خادماً عند أحد".

اطرق نعمان مفكراً لبرهة، ولم يستسلم لليأس، بل لمعت في رأسه فكرة ذكية وقال: — "خطر ببالي شيء! أعطني عصاً وسأذهب معك من الغد لرعي الأغنام، وربما أستطيع في نفس الوقت أن أواصل دراستي".

تعجب أخوه وسأله: — "وكيف يمكن ذلك؟ كيف سترعى الأغنام طوال النهار وتدرس في نفس الوقت؟"

فأجابه نعمان بابتسامة طموحة: — "سآخذ دروساً ليلية عند معلم بعد أن ننتهي من العمل".

أُعجب الأخ الأكبر بذكاء وإصرار أخيه الصغير، وأعطاه عصا الرعي. ومنذ ذلك اليوم، أصبح الشقيقان يخرجان معاً نهاراً للرعي، ويبيعان الحليب والصوف مساءً، وكل دخل بسيط يحصلان عليه كان يذهب لنفقات تعليم نعمان. ورغم التعب والجهد طوال النهار، كان نعمان يسهر حتى وقت متأخر من الليل يقرأ ويكتب بشغف كبير.

وفي أحد الأيام، بينما كان الشقيقان يرعيان الأغنام قرب غابة كثيفة الأشجار، غلب النوم على الأخ الأكبر من شدة التعب، فاستلقى ونام تحت ظل شجرة. أما نعمان، فقد بدأ يتجول بين الأشجار، فجذبته شجيرات حمراء مليئة بالثمار الناضجة، فاقترب وبدأ يأكل منها تلذذاً بطعمها.

وفجأة، شق صمت الغابة صوت متحشرج غريب يقول: — "اخرجني.. أخرجني!"

فزع نعمان وتراجع إلى الوراء ينظر حوله يميناً وشمالاً، لكنه لم يرَ أحداً. ساد الهدوء مجدداً، ثم تكرر الصوت بوضوح أكبر: — "أخرجني!"

تغلب فضول نعمان على خوفه، فمشى ببطء يتتبع مصدر الصوت حتى وصل إلى شجرة ضخمة معمرة، وعرف أن الصوت يخرج من أعماق جذعها. استجمع نعمان شجاعته، واستل خنجره الصغير وبدأ يقطع في جذع الشجرة حتى أحدث ثقباً في الداخل. أدخل يده بحذر، فلامست أصابعه زجاجة قديمة غريبة الشكل، كانت محكمة الإغلاق ومربوطة بقطعة قماش حمراء.

أخرج نعمان الزجاجة، وبواسطة خنجره نزع القماش الأحمر وفتح الغطاء. وما إن انفتح الغطاء حتى تحولت قطعة القماش إلى دخان كثيف تصاعد في الهواء، ثم تشكل الدخان ليصبح جنيّاً ضخماً ومرعباً وقف أمام نعمان وهو يصرخ بغضب: — "استعد للموت!"

ثبت نعمان في مكانه، ورغم هول الموقف قال بشجاعة: — "أنا لم أظلمك، فكل ما فعلته هو أنني أخرجتك، فلماذا تريد قتلي؟"

فقال الجني بوعيد: — "لقد كنت محبوساً في هذه الزجاجة منذ زمن طويل، وقد تأخرت في إخراجي، لذلك سأعاقبك بالقتل!"

فقال نعمان بدهشة ذكية: — "أنا لم أسمع صوتك أصلاً إلا مرتين أو ثلاثاً وأنت تقول أخرجني!"

فقال الجني: — "ذلك الصوت كان صوتي أنا!"

هنا لمعت الفكرة في عقل نعمان المفكر، فنظر إلى الزجاجة ثم إلى الجني وقال بشك وسخرية: — "كيف يمكن لجني كبير وضخم مثلك أن يكون محبوساً داخل هذه الزجاجة الصغيرة؟ لن يصدق أحد هذا الكلام أبداً!"

استشاط الجني غضباً من التشكيك في قدراته وقال: — "إن كنت لا تصدق، فسأعود إلى داخل الزجاجة مرة أخرى لتَرى بنفسك!"

فقال نعمان: — "حسنًا، إن استطعت فعلاً الدخول فسأصدقك".

وبمجرد أن سمع الجني ذلك، تحول إلى دخان وتسلل بسرعة إلى داخل الزجاجة ليثبت قوته. وفي لمح البصر، تقدم نعمان الذكي وأغلق غطاء الزجاجة بإحكام وصدمها بخنجره!

صاح الجني من الداخل متعجباً ومذعوراً: — "لماذا أغلقت فم الزجاجة؟!"

فأجابه نعمان بكل جدية وحزم: — "من يقابل الإحسان بالإساءة يستحق هذه العقوبة".

صرخ الجني مستعطفاً: — "لكنني لست إنساناً.. أنا جني!"

فقال نعمان: — "وهذا الأمر يجعل إطلاق سراحك أخطر!"

فسأله الجني: "ولماذا؟"

قال نعمان: — "لقد قرأت في الكتب أن الإنسان إذا أحسن إلى جني، فإن ذلك الجني يظل وفياً له طوال حياته ويساعده في كل شدة. أنا أنقذتك من سجنك الأبدي، لكنك هددتني بالقتل فوراً! ولو سمع جن قومك بما فعلته لسخطوا عليك وقطعوا علاقتهم بك".

شعر الجني بالخجل الشديد من كلام نعمان، وعرف أن هذا الفتى ليس شخصاً عادياً، فقال بنبرة نادمة: — "لقد أخطأت بالفعل.. سامحني وأخرجني مرة أخرى، وأعدك عهدأ صادقاً أن أكون لك وفياً وأن أساعدك دائماً".

فرد نعمان الذي تعلم من كتبه الحكمة: — "وقد قرأت أيضاً أن الإحسان الحقيقي هو ما لا يُطلب له مقابل، وبصراحة أنا لا أثق بك بعد الآن، فقد تؤذيني مجدداً".

فقال الجني مسرعاً: — "أقسم بالله العظيم أنني لن أؤذيك أبداً".

عندما سمع نعمان القسم، صمت قليلاً ثم قال: — "لقد حلفت بالله، ومن يكذب في قسمه يأثم إثماً شديداً، وعلى كل حال حياتي بيد الله، لذلك سأطلق سراحك".

فتح نعمان الزجاجة، فخرج الجني على شكل دخان وانتشر في الهواء ثم عاد إلى هيئته الأصلية. التفت نعمان وحمل عصاه ومضى نحو المكان الذي ينام فيه أخوه الأكبر. فناداه الجني من خلفه: — "قف! إلى أين تذهب؟"

التفت نعمان بحذر وقال: — "لماذا؟ هل غيرت رأيك مرة أخرى وتريد قتلي؟"

فقال الجني بسرعة: — "لا! أنا فقط أكرر شكري لك، أنت تفهمني خطأ".

فقال نعمان بسخرية خفيفة: — "وكيف أصدقك وأنت تتغير في لحظة؟ على كل حال، ماذا تريد؟"

فسأله الجني: — "من أنت؟ وماذا تفعل في هذه الغابة الموحشة؟"

فجلس نعمان وحكى له قصته كاملة: — "أنا أخ لراعٍ بسيط، أحب العلم كثيراً، لكن الظروف القاسية أجبرتني على رعي الأغنام نهاراً مع أخي، وأنا أعمل طوال اليوم وأدرس ليلاً عند معلم".

تعجب الجني وقال بإعجاب شديد: — "حقاً؟ إن اجتهادك هذا يستحق كل تقدير واحترام.. حسناً، ماذا يمكنني أن أفعل لأجلك؟"

فقال نعمان ببساطة وقناعة: — "فقط اذهب من هنا بسلام، فربما يكون أخي الأكبر بانتظاري الآن".

فقال الجني بلطف: — "أشعر أنك ما زلت غاضباً مني، لماذا لا نكون أصدقاء؟"

ابتسم نعمان وقال: — "الصداقة شيء جميل، لكن لا أعرف متى قد تتحول صداقتك إلى مشكلة".

فضحك الجني وقال: "أنا ممتن لك"، ثم أخرج من يده خاتماً حديدياً بسيطاً ووضعه في إصبع نعمان وقال: — "خذ هذا الخاتم الحديدي، وإذا احتجتني يوماً في أي شدة، فافركه فقط وساحضر إليك فوراً". ثم سأله: "أخبرني باسمك الآن؟"

فقال: "اسمي نعمان، وما اسمك أنت؟"

فقال الجني: "اسمي سليم".

ضحك نعمان وقال: "أنت تمزح! جني اسمه سليم؟"

فأجاب الجني بجدية: "لا، هذا اسمي الحقيقي". ثم افترق الاثنان، وذهب كل منهما في طريقه.

ولما وصل نعمان إلى أخيه الأكبر، وجده مستيقظاً وقلقاً للغاية، فسأله بحده: "أين ذهبت وتأخرت؟" فحكى له نعمان القصة كاملة بتفاصيلها.

خاف الأخ الأكبر وقال بقلق: — "هذا أمر خطير جداً! لا يمكن الوثوق بالجن فقد يؤذونك، لو أطعتني لرميت هذا الخاتم فوراً في الغابة".

فقال نعمان بحكمة: — "يا أخي، إن كان في قلبه شر فما فائدة رمي الخاتم؟ هو يعرف مكاني على أي حال". وانطلق الاخوان عائدين إلى منزلهما.

ومرت الأيام، وبدأ نعمان ينسى ما حدث مع الجني سليم، وتفرغ لحياته. لكن المصائب لا تأتي فرادى؛ فقد أصيب الأخ الأكبر بمرض شديد ألزمه الفراش، فصار كل العبء على عاتق نعمان وحده؛ يرعى الأغنام نهاراً، ويبيع المنتجات مساءً ليؤمن معيشة البيت ويوفر ثمن علاج أخيه المريض. كان نعمان يفكر في نفسه بحزن، فالتعليم في ذلك الزمان كان صعباً جداً ولا يصل إليه إلا القليل، وكان حلمه أن يتعلم ويعيش حياة هادئة، لكن الظروف كانت تقف ضده، ومع ذلك، لم يكن يشتكي لأحد، بل كان صابراً محتسباً.

وفي أحد الأيام، بينما كان نعمان يعمل، جاءه خادم يرتدي ثياباً فاخرة وقال له: — "يا نعمان، أنت تعرف سيدنا الغني جيداً، إنه رجل ثري جداً ويحتاج إلى شخص متعلم وذكي مثلك ليشرف على أعماله وحساباته، سيعطيك راتباً ممتازاً، والطعام والشراب مضمونان، إن أردت فتعال معي".

سأله نعمان مستوضحاً: "هل العمل في النهار فقط أم حتى الليل؟"

فأجاب الخادم: "يا أخي، عندما تخدم السيد فلا يوجد فرق بين الليل والنهار، أنت ملكه".

فقال نعمان: — "هذا صحيح، لكن أخي الأكبر مريض جداً، ويجب أن أزوره مرتين في اليوم لأعطيه دواءه، ولا أستطيع تركه وحده ليلاً".

فقال الخادم بلهجة حادة واستعلاء: — "يا نعمان! من يأخذ راتباً لا يعمل كما يشاء هو، بل كما يريد السيد الظالم!"

فقال نعمان بلطف: "أفهم ذلك لكني مضطر"، فقال الخادم: "تعال معي وناقش الأمر مع السيد بنفسك"، فوافق نعمان وذهب معه.

ولما وصل نعمان إلى قصر الرجل الغني، تمنى لو أنه لم يأتِ؛ إذ رأى منظراً مرعباً يقشعر له البدن! كان هناك رجل هزيل مربوط إلى جذع شجرة، والرجل الغني الثري يقف أمامه وبيده سوط غليظ يجلده به بلا رحمة، والدم يسيل من جسد الخادم المسكين وهو يستغيث.

لم يحتمل نعمان رؤية هذا الظلم، ونسي حاجته للمال، فتقدم بأدب وشجاعة وقال: — "يا سيدي! ارحم هذا المسكين، انظر إلى الدم الذي يسيل من جسده، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".

التفت الرجل الغني بغضب تطاير الشرار من عينيه وصاح: "من أنت ومن سمح لك بالتدخل؟"

فقال الخادم بسرعة: "سيدي، هذا هو الشاب المتعلم الذي طلبتموه للاشراف على الأعمال".

نظر الغني إلى نعمان بحقد وقال: — "آه.. إذاً أنت الخادم الجديد؟ وبدأت أول يوم لك بالوقاحة؟ انتظر، سأفرغ من هذا العبد أولاً ثم سأتفرغ لمعاقبتك لتكون عبرة!"

ورفع الثري يده بالسوط ليضرب الخادم مجدداً، لكن نعمان اندفع بسرعة البرق وانتزع السوط من يد الغني وقذف به أرضاً وهو يقول بصوت زلزل المكان: — "اتقِ الله! دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وهي تهز السماء!"

اشتعل الرجل الغني غضباً، ولم يتمالك نفسه فرفع يده وصفع نعمان بقوة هائلة على وجهه، فسقط نعمان أرضاً وسال الدم من فمه. صاح الغني بغضب: — "يا ابن الراعي! هل جئت لتعمل أم لتثير الفتنة في قصري؟"

مسح نعمان الدم عن فمه، ووقف بشموخ وثبات رغم الألم وقال: — "احترم لسانك! العمل عند ظالم ومستبد مثلك لا يساوي شيئاً.. لقد أعمى الغنى قلبك، ضربتني وسببتني بلا سبب فقط لأنني فقير؟ تذكر أن للظلم حساباً عسيراً عند الله!"

جن جنون الرجل الغني وصاح في خدمه وحراسه: — "علقوه مقلوباً على الشجرة! ولا تعطوه قطرة ماء أو كسرة خبز لمدة ثمانية أيام كاملة حتى يموت تعبأً وذلاً!"

تقدم الخدم خائفين وربطوا نعمان من قدميه بملابسه، وعلقوه على الشجرة مقلوباً ورأسه متدير نحو الأرض. أخذ الرجل الغني السوط من الأرض، وتقدم نحو نعمان المعلق وانهال عليه بضربتين أو ثلاث بقسوة، وكان الدم يسيل من جسد نعمان وهو يتحمل الألم بصبر.

ومن محاسن الأقدار، أن إحدى ضربات السوط الطائشة أصابت يد نعمان مباشرة، فاحتك السوط بالخاتم الحديدي الذي في إصبعه بقوة. وما هي إلا لحظة، حتى تصاعد دخان أبيض كثيف من الخاتم، وحجب الرؤية عن الجميع، ووسط ذهول ورعب الخدم والرجل الغني، ظهر الجني الضخم "سليم" واقفا في ساحة القصر!

نظر الجني إلى نعمان المعلق وقال بفزع: — "يا صديقي! ما هذه الحالة التي وصلت إليها؟ ولماذا لم تنادني حتى؟"

صاح الرجل الغني برعب حاول إخفاءه وراء الغضب: "ابتعد من هنا أيها المخلوق وإلا سأجعلك معلقاً مثله!"

لم يلتفت الجني للغني إطلاقاً، بل نظر لنعمان وقال بلطف: "أمرني يا صديقي، ماذا أفعل؟"

فقال نعمان بصوت متألم وضعيف: "ألا ترى ما يحدث لي وتأثير السياط على جسدي؟ ومع ذلك تسألني ماذا تفعل؟"

واندفع الجني فورا، وبضربة واحدة من يده قطع الحبال الغليظة، وأنزل نعمان برفق شديد وفك قيوده وثبته على الأرض. صُدم الجميع وخاف الخدم وتراجعوا للوراء، بينما اشتد غضب الرجل الغني وصاح في حراسه: "امسكوا بهم! اقتلوهم!" لكن لم يجرؤ خادم واحد على التقدم خطوة واحدة نحو الجني.

عندها التفت نعمان وقال للجني: — "يا سليم، هناك رجل آخر مربوط على الشجرة ومظلوم، ساعده وفك قيوده أيضاً".

تقدم الجني وفك قيود الخادم الآخر الذي سقط على الأرض شاكراً. فسأله نعمان: "ما ذنبك حتى يعاقبك هذا الطاغية بهذه القسوة؟"

فقال الخادم وهو يبكي: — "أنا خادم له، كان نائماً وطلب مني أن أهوي عليه بالمروحة، لكني غفوت قليلاً من التعب، وبسبب هذه الغفوة البسيطة عاقبني وجلدني كما رأيت".

نظر نعمان إلى الرجل الغني الذي كان يرتعد غضباً وخوفاً وقال له: — "قل لي يا سيدي، ما رأيك الآن؟ هل لهذا الظلم البشع أي مبرر؟ أظن أنك تستحق أنت أيضاً أن تذوق بعضاً من ضربات هذا السوط لتشعر بما يشعر به الضعفاء".

احمر وجه الرجل الغني من الغيظ الشديد، وسحب خنجراً مسموماً من حزامه واندفع نحو نعمان ليقتله، لكن قبل أن يتقدم خطوة واحدة، انقض عليه الجني سليم بسرعة البرق، وانتزع الخنجر من يده ورماه بعيداً، ثم ثبت الغني من ياقته وقال لنعمان: — "يا نعمان، أرى أن هذا الرجل يستحق عقوبة قاسية.. بماذا تأمرني أن أفعل به؟ هل أقتله أم أدمر قصره؟"

فكر نعمان الحكيم قليلاً، ورغم كل ما فعله الغني به، لم يشأ أن يقابل الشر بالشر، بل قال: — "أرى أن عقوبته العادلة هي أن تنكشف حقيقته البشعة وظلمه أمام جميع الناس في المدينة، فلو كان في قلبه ذرة من مروءة أو شرف لذاب من الخجل والذل أمام خدمه وجيرانه.. لنذهب من هنا ونتركه لخزي الدنيا وعذاب الآخرة".

وانصرف نعمان والجني، تاركين الرجل الغني وحيداً في ساحة قصره، وقد سقطت هيبته وانكسرت شوكته أمام خدمه وحراسه الذين لم يعودوا يهابونه، وانكشفت حقيقته الظالمة للجميع، فاصبح منبوذاً ذليلاً بين الناس.

ولما وصل نعمان والجني إلى البيت، التفت نعمان وقال: — "يا سليم، سامحني فقد أزعجتك واضطررت للحضور بلا سبب، ولولا وصولك في الوقت المناسب لكنت في عداد الهلكى".

ابتسم الجني وسأله: — "قل لي يا صديقي، لماذا لم تنادني طوال هذه المدة رغم حاجتك وفقرك؟ وكيف حدث كل هذا اليوم؟"

أجابه نعمان بابتسامة خفيفة: — "أخي الأكبر كان يمنعني من التعامل مع الجن خوفاً علي، وما حدث اليوم كان محض صدفة عندما أصابت ضربة السوط الخاتم فظهرت أنت".

ضحك الجني وقال: "إذاً لم تكن تناديني أبداً؟"

فقال نعمان: "نعم، هكذا كان الأمر". ثم قال الجني: "حسنًا، ماذا تريد الآن؟ لقد ضاع يومك ولم ترعَ أغنامك، وأين أخوك الأكبر؟"

فأخذه نعمان إلى الداخل، فوجدا الأخ الأكبر طريح الفراش يئن من شدة المرض والحمى. فقال نعمان لأخيه: "هذا صديقي سليم".

نظر الأخ الأكبر بتعجب وقال بصوت واهن: "سليم؟ من هذا؟"

فقال نعمان: "هذا هو الجني الذي أخرجته من الزجاجة في الغابة".

تخوف الأخ الأكبر وقال بنبرة هادئة: — "صحيح ما تقول يا نعمان، وصحيح أنه أنقذك اليوم، لكني ما زلت أرى أن الجن لا يؤتمن جانبهم، فهم قوم لا يعتمد عليهم".

ابتسم الجني سليم وقال بأدب: — "يا سيدي، كلامك له وجهة نظر وأنا أحترم خوفك على أخيك، لكن تذكر أن في كل قوم صالح وطالح، والصداقة والوفاء لا تقاس بالأجناس بل بالقلوب والأفعال. أنا وعدت نعمان أن أساعده وسأفي بوعدي طوال حياتي".

شعر الأخ الأكبر بالاطمئنان لنبرة الجني، فقال بهدوء: "إذا كان الأمر كذلك، فهل يمكنك مساعدتي أيضاً؟ فأنا مريض منذ أيام ولا أستطيع الحركة".

وما إن سمع الجني ذلك، حتى أخرج من تحت إبطه قطعة خشبية رفيعه وصغيرة جداً كأنها غصن صغير، ولمس بها جسد الراعي المريض لمسة خفيفة وقال: "باذن الله اشفَ".

وما هي إلا ثوانٍ معدودة، حتى سرت القوة في جسد الراعي، وتلاشى المرض تماماً، فجلس في فراشه بنشاط وقام واقفاً على قدميه كأنه لم يمرض قط!

انبهر نعمان، فالتفت إليه الجني وأعطاه تلك القطعة الخشبية (العصا السحرية) وقال له: — "احتفظ بهذه العصا جيداً يا نعمان، إنها دواء لكل داء؛ الجروح البليغة، الأمراض المستعصية، سم الأفاعي ولدغات العقارب كلها تُشفى بلمسة منها بإذن الله. وإذا كنت في صحراء ولم تجد ماءً، فمصّ طرفها وستشعر بالارتواء والشبع كأنك شربت ماءً عذباً".

شكر نعمان صديقه الجني بحرارة وأخذ العصا، ثم قال الجني وعيناه تلمعان بالذكاء: — "والآن استمع إليّ جيداً يا نعمان؛ اذهب فوراً إلى عاصمة السلطان، فإن وزيره الكبير قد طعن في السن والسلطان يبحث عن رجل كفء ذكي ليحل محله".

ضحك نعمان وقال متفاجئاً: "هل سأصبح وزيراً حقاً وأنا مجرد راعٍ فقير؟"

فقال الجني: — "نعم، إذا ثبتت على موقفك وشجاعتك فستصل إلى أعلى المراتب".

فقال نعمان بتواضع: "لكني لست متعلماً بما يكفي كباقي علماء القصر، وهناك بالتأكيد من هو أفضل مني".

فقال الجني موضحاً: — "يا صديقي، الأهم في الإدارة والحكم ليس كثرة العلم وحشو السطور، بل الفهم السليم والعقل الراجح والحكمة. اذهب إلى السلطان وسيطرح في ديوانه ثلاثة أسئلة على المتقدمين لمنصب الوزير، واجاباتها التي تبحث عنها هي كالتالي:

  • السؤال الأول: ما أهم شيء في الدنيا ويحتاجه الغني والفقير والملك على حد سواء؟ 
  • الجواب: المال، لأنه عصب الحياة وبدونه لا تقضى مصالح الناس.
  • السؤال الثاني: شيء يتحرك دائماً وباستمرار ولكن لا يراه أحد؟
  • الجواب: الأرض، فهي تدور باستمرار ونحن نعيش فوقها ولا نرى حركتها.
  • السؤال الثالث: شيء إذا وجد عند الإنسان واستخدمه لا يحتاج لغيره أبداً؟
  • الجواب: العقل، فبالعقل يكتسب الإنسان كل شيء".

ثم أردف الجني قائلاً: — "وبعد أن تجيب، اعلم أن ابنة السلطان (الأميرة عائشة) تعاني من صداع شديد ومزمن منذ أيام طويلة، ولم ينفع معها أي طبيب أو حكيم في المملكة. انظر إليها وقل للسلطان 'سأفكر في العلاج'، ثم عد وحضر دواءً من الرماد الخفيف والمس جسدها بالعصا، وخذ الدواء إليها وقل لها أن تستخدمه، وبإذن الله سيزول صداعها تماماً، وإذا كتب لك الحظ والتوفيق، فقد تتزوجها أيضاً وتصبح صهر الملك!" ثم ودعه الجني وانصرف وغاب عن الأنظار.

بدأ نعمان يستعد للسفر ويجمع أمتعته، وفي تلك الأثناء عاد أخوه الأكبر من الخارج ورآه يحزم أمتعته فسأله متعجباً: "ماذا تفعل يا نعمان وإلى أين أنت ذاهب؟" فحكى له نعمان كل ما قاله الجني بالتفصيل.

ضحك الأخ الأكبر وقال باستهزاء: — "عجيب! رغم ذكائك وعلمك تصدق مثل هذا الكلام البسيط؟ ربما صديقك الجني يمزح معك ويسخر منك، وأنت أخذت الأمر بجدية وتريد السفر خلف أوهام!"

فقال نعمان بهدوء وثقة: — "لا يا أخي، سليم ليس كاذباً، وأنت رأيت شفاءك بنفسك بلمسة منه، وإن لم يكن كلامه صحيحاً فماذا سأخسر؟ سأذهب وأرى بنفسي، وإن فشلت سأعود إلى رعي الأغنام معك".

فقال الأخ: "ومن أين ستأتي بنفقات السفر الشاق والطويل؟ إذا كنت تثق به وبقوته فلماذا لم تطلب منه أن يوفر لك المال والذهب للسفر؟"

فقال نعمان بعزة نفس ونبل: — "لا يا أخي، هذه ليست صداقة حقيقية، الصداقة مودة ومواقف وليست استغلالاً، إذا طلبت منه كل شيء وأنا قادر على السعي، فما قيمتي أنا؟"

وبعد نقاش طويل، اقتنع الأخ الأكبر ودعا له بالتوفيق. حمل نعمان أمتعته البسيطة وانطلق في سفره الطويل نحو المدينة العظيمة حيث قصر السلطان. وفي الطريق، كان يعمل في بعض القرى أحياناً ليكسب بضعة دراهم تعينه على مواصلة رحلته، حتى وصل أخيراً إلى المدينة. نزل في خان صغير، واغتسل في المساء واستعد لليوم التالي.

وعندما جاء الصباح، لبس نعمان ثياباً نظيفة ومرتبة وتوجه نحو قصر السلطان الشاهق. دخل إلى الديوان العظيم حيث كان يغص بالعلماء والأطباء والأغنياء والوجهاء من كل حدب وصوب.

جلس السلطان على عرشه، وساد الصمت، ثم قال بصوت جهوري: — "من يجيب عن أسئلتي الثلاثة إجابة تقنعني وتدل على حكمته، يصبح وزيراً ومستشاراً أولاً لي في هذه الدولة".

ثم طرح السلطان السؤال الأول: — "ما الشيء الذي يحتاجه الغني والفقير والملك جميعاً على حد سواء؟"

وقف رجل غني يرتدي الحرير والذهب وقال بفخر: "يا مولاي السلطان، هو النَفَس! لأن كل إنسان يحتاجه ليبقى حياً وبدونه يموت". أومأ السلطان برأسه إيماءة خفيفة ولم يتكلم، فالإجابة بديهية وليست ما يبحث عنه.

ثم وقف رجل آخر يبدو من ثيابه ووقاره أنه عالم كبير وقال: "يا سلطان الزمان، هو الخبز! فلا حياة بدون طعام وقوت". ساد الصمت في المجلس، ولم يبدِ السلطان أي اقتناع.

ثم نظر السلطان إلى رجل ثالث يبدو قوي البنية ومفتول العضلات، فقال وهو يخفض رأسه احترماً: "يا سلطان، القوة هي الشيء الذي يحتاجه الغني لحماية ماله، والفقير لكسب قوته، والملك لحماية ملكه". نظر السلطان إلى وزرائه ولم يقتنع بأي جواب من هذه الأجوبة التقليدية.

وأخيراً، جالت عين السلطان في الحاضرين فوقعت على شاب بسيط يقف في المؤخرة، وكان يبدو عليه الذكاء والهدوء وهو نعمان. تعجب السلطان من هيئته وناداه: "من أنت يا فتى؟ ولماذا تقف هناك؟"

تقدم نعمان بخطى ثابتة وانحنى بأدب وقال: — "يا مولاي السلطان، جئت أنا أيضاً لأجرب حظي وأجيب عن هذه الأسئلة العميقة، واعلم أنني لست أهلاً لمنافسة هؤلاء العلماء، لكني قررت أن أحاول".

أُعجب السلطان بأدبه وثقته وقال: "حسنًا يا بني، السؤال الأول: ما الشيء الذي يحتاجه الفقير والغني والملك على حد سواء؟"

فأجاب نعمان فورا ودون تردد: — "يا مولاي، هو المال! فالفقير يحتاجه ليسد جوعه، والغني يحتاجه ليدير تجارته ويزيد غناه، والملك يحتاجه ليدبر شؤون رعيته ويبني جيشه، فالمال يحتاجه الإنسان في كل مراحل حياته وتصريف أموره".

تغيرت ملامح السلطان وظهرت عليها علامات الإعجاب الشديد وقال: "أحسنت! جواب صحيح وواقعي وعميق. والان إلى السؤال الثاني: ما الشيء الذي يتحرك باستمرار وبسرعة ولا يراه أحد؟"

وقف بعض العلماء وقالوا: "هو القلب الذي ينبض باستمرار!" وقال آخرون: "هو الهواء والرياح تحرك كل شيء ولا نراها!" وتعددت الإجابات، لكن السلطان ظل صامتاً، ثم التفت إلى نعمان وقال: "ما قولك أنت يا نعمان؟"

فقال نعمان بادب: — "يا مولاي، هي الأرض التي نعيش فوقها؛ فهي تدور وتتحرك باستمرار في الفضاء الواسع، ولكننا بعظمة خلق الله لا نشعر بحركتها ولا نراها بالعين المجردة".

ابتسم السلطان وانشرح صدره وقال: "جيد جداً! فهمك ممتاز وعقلك راجح. والان جاء السؤال الثالث والأخير، ومن يجيب عليه فهو الوزير: ما الشيء الذي إذا وجد عند الإنسان واستخدمه، لا يحتاج إلى غيره أبداً؟"

وقف رجل وقال: "هي الصحة يا مولاي، فبالصحة يملك الإنسان كل شيء". وقال آخر: "هو الحب!" وقال ثالث: "هي الشجاعة!" لكن السلطان لم يقتنع بكل ذلك، ونظر مجدداً إلى نعمان وقال: "أسمعني جوابك يا نعمان".

فقال نعمان بكل هدوء وثقة: — "يا مولاي، هي العقل! لأن الإنسان إذا امتلك العقل والحكمة، استطاع أن يحصل على الصحة بالوقاية، وعلى المال بالعمل، وعلى محبة الناس بالخلق الحسن، واستطاع أن يدير حياته ويحصل على كل شيء بطريقة صحيحة وسليمة، وبدون العقل لا تنفع الصداقة ولا المال ولا الصحة".

ما إن نطق نعمان بهذه الكلمات، حتى علت أصوات الإعجاب والتصفيق في الديوان كله، ووقف السلطان من على عرشه فرحاً مسروراً وقال بصوت عالٍ: — "أصبت كبد الحقيقة! هذا هو الجواب الذي كنت أبحث عنه. أعلن فورا تعيين نعمان وزيراً ومستشاراً خاصاً لي!"

بعد انتهاء مراسم التعيين، استدعى السلطان وزيره الجديد نعمان إلى غرفته الخاصة، وبدا على وجه الملك الحزن والهم، وقال له: — "يا نعمان، لقد أثبتّ لي أنك رجل عاقل ومبارك، واعلم أن لي ابنة واحدة، وهي قرة عيني الأميرة عائشة، إنها تعاني من صداع شديد وقاتل في رأسها منذ فترة طويلة، ولم ينفع معها أي دواء أو طبيب في الشرق أو الغرب، والآن إذا استطعت شفاءها، سأمنحك مكافأة تفوق كل خيالك وتصورك".

فقال نعمان بتواضع حقيقي: "يا مولاي، أنا لست طبيباً مشهوراً، ولكن دعني أراها أولاً، والشفاء بيد الله وحده".

أخذه السلطان إلى غرفة الأميرة عائشة، فدخل نعمان ووجدها مستلقية على فراش من الحرير وتئن وتبكي من شدة الألم والصداع الذي يكاد يفتق رأسها. تذكر نعمان وصية صديقه الجني سليم، فنظر إليها وقال للسلطان: "دعني أفكر في العلاج يا مولاي وسأعود غداً".

خرج نعمان إلى غرفته في القصر، وأحضر العصا السحرية الرفيعة التي أهداها له الجني، وأحضر قليلاً من الرماد النظيف وقام بلمس الرماد بالعصا وقرأ عليه بعض الأدعية، وحضر الدواء المبارك. وفي الصباح، توجه إلى جناح الأميرة وقدم لها الدواء وقال: "يا مولاي السلطان، إذا استخدمت الأميرة عائشة هذا الدواء بانتظام، فبإذن الله وجلاله ستشفى".

استعملت الأميرة الدواء، وخلال أيام قليلة جداً، حدثت المعجزة؛ تلاشى الصداع تماماً، وعادت النضارة والحيوية إلى وجه الأميرة عائشة، ونهضت من فراشها وهي بكامل صحتها وعافيتها وكأنها لم تشتكِ يوماً من ألم!

فلما علم السلطان بهذا الخبر، طار فرحاً وسجّد لله شكراً، واحتضن ابنت الوحيدة، ثم التفت إلى نعمان وقال والدموع في عينيه: — "لقد أوفيت بوعدك يا نعمان وأنقذت ابنتي، وأنا سأفي بوعدي لك؛ أعلن فورا زواجك من ابنتي الأميرة عائشة لتكون صهري وفردأ من عائلتي الملكية!"

وهكذا تم الزواج في حفل بهيج وفخم تحدثت عنه المملكة لسنوات طويلة، واحتفلت المدينة كلها بزفاف الراعي الذكي والأميرة الجميلة. وأصبح نعمان وزيراً عادلاً يحبه الصغير والكبير، وعاش في القصر حياة سعيدة وناجحة، ولم ينسَ يوماً أخاه الأكبر بل أحضره ليعيش معه في القصر معززاً مكرماً.

لقد تربع نعمان على عرش القلوب بفضل علمه الذي كافح من أجله، وعقله الراجح، وجهده وصبره على الشدائد والظلم، فعوضه الله عن فقره ورعيه للأغنام بأن جعله حكماً عادلاً يرفع الظلم عن المظلومين.

تعليقات